السنة الحادية عشرة / العدد الثامن والعشرون / نيسان  2016م / رجب  1437هـ

       رجوع     أرشيف المجلة     الرئيسية

 

أولو الأمر

عند المذاهب الإسلاميّة [1]

الشيخ سليمان يحفوفي (ره)

 

تعريفهم عند المذاهب الإسلاميّة

اختلفت المذاهب الإسلاميّة في تعريف "أولي الأمر" اختلافًا شديدًا، وقد عبّر الشهرستاني في الملل والنحل عن ذلك بقوله:

[الخلاف الخامس في الإمامة: وأعظمُ خلافٍ بين الأمة خلاف الإمامة إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينيّة مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان]([2]).

[والاختلاف في الإمامة على وجهين، أحدهما القول بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار، والثاني القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين]([3]).

وكِلا الفريقين لم يتفقوا على رأي واحد وشروط واحدة في الإمام، فالقائلون بثبوتها بالنص والتعيين انقسموا كذلك في شروط الإمام وكيفيّة التعيين.

ومن هذا الاختلاف نشأ اختلاف تعريف "أولي الأمر" حتى بلغت الأقوال أربعة: فقول يقول: إن أولي الأمر هم الخلفاء الراشدون، والثاني يقول: أمراء السرايا، وثالث يقول: العلماء، ورابع يقول: الأئمة المعصومون.

والفريق القائل بأن الإمامة بالاتفاق والاختيار هم عموم علماء السنة، وسنتكلم عن آراء أئمتهم الأربعة وبعض كبار علمائهم.

والفريق القائل بالنص هم عموم الشيعة، وسنتكلم عن آراء الزيديّة والإماميّة الإثني عشرية منهم.

رأي أرباب المذاهب الأربعة (حسب تسلسلهم التاريخي)

 

أبو حنيفة (80 - 150 هـ)

اسمه النعمان بن ثابت بن زوطي.

ينقل محمد أبو زهرة عن مذهبه في الإمامة ما يلي:

[عاش أبو حنيفة اثنتين وخمسين سنة من حياته في العصر الأموي، وثمانية عشر سنة في العصر العباسي .. ومجرى الحوادث يُثبت أن قلبه كان مع العلويين في خروجهم أولاً على الأمويين، ثم في خروجهم ثانيًا على العباسيين.

كان (رض)، لنزعته العلويّة من غير تشيّع، لا يرى لبني أمية أيّ حق في إمرة المؤمنين، ولكنه ما كان ليثور عليهم، ولعله كان يهمّ أن يفعل.

ويروى أنه لما خرج زيد بن علي بالكوفة على هشام بن عبد الملك، قال أبو حنيفة: ضاهى خروجه خروج رسول الله يوم بدر، فقيل له: لِمَ تخلّفتَ عنه؟ قال: حبسني عنه ودائع الناس، عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل، فخفتُ أن أموت مجهلاً.

ويروى أنه قال في الاعتذار عن ذلك: لو علمتُ أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا جدّه لجاهدت معه، لأنه إمام حق. ولكنني أُعينه بمالي. فبعث إليه بعشرة آلاف درهم، وقال للرسول: ابسط عذري له.

وإن هذا يدل على أنه ما كان بنو أمية بأهل للإمارة في نظره، وأنه كان يرى زيدًا بن علي هو الإمام ...]([4]).

وينقل الشهرستاني في الملل والنحل: أن أبا حنيفة كان على بيعة الإمام محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فيقول: [وكان أبو حنيفة (ره) على بيعته ومن جملة شيعته، حتى رُفع الأمر إلى المنصور فحبسه حتى مات في الحبس، وقيل: إنه بايع محمد بن عبد الله الإمام أيام المنصور، ولما قُتِل محمد بن عبد الله بالمدينة بقيَ الإمام أبو حنيفة على تلك البيعة يعتقد موالاة أهل البيت، فرُفع حاله إلى المنصور فتمَّ عليه ما تم]([5]).

وينقل الزمخشري في تفسير الآية {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }([6])، قال: [وكان أبو حنيفة (ره) يُفتي سرًا بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليهما وحملِ المال إليه، والخروجِ معه على اللص المتغلب المتسمَّى بالإمام والخليفة كالدوانيقي وأشباهه .. وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عدِّ آجرّه لما فعلتُ]([7]).

ولعله أراد بـ"اللص المتغلّب" هشام بن عبد الملك، وأراد بقوله "كالدوانيقي" التشبيه، لأن خروج زيد كان على هشام، وقُتِل بأمره وفي زمنه.

لقد كان أبو حنيفة يرى -على ما يُظن منه- أن الإمامة يجب أن تكون لقرابة النبي (صلى الله عليه وآله)، والأرجح أنه كان يرى وجوبها لأهل بيته من أبناء علي (عليهم السلام) من نسل الحسن أو الحسين (عليهما السلام).

والذي يقرّب هذا الاختيار أمور:

أولاً: اعتبار خروج زيد بن علي مضاهئًا لخروج رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر، فالمعركة بين الكفر والإيمان.

ثانيًا: عدم تولّيه عملاً لبني أمية -مع شدة إصرار عاملهم ابن هبيرة عليه بقوله: أعطيك أرفع المناصب- حتى أدّى به الأمر إلى الحبس والضرب الشديد أيامًا متتالية، بينما قَبِل فقهاء العراق كابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود بن أبي هند تولّي المناصب لهم.

ثالثًا: خطبته في مبايعة أبي العباس أول خليفة عباسي، حيث قال لما اختاره العلماء لذلك: [والحمد لله الذي بلغ الحق من قرابة نبيه (ص) وأمات عنا جور الظلمة، وبسط ألسنتنا بالحق، وقد بايعناك على أمر الله والوفاء لك بعهدك إلى قيام الساعة، فلا أخلى الله هذا الأمر من قرابة نبيه (ص)]([8]).

رابعًا: انقلابه على العباسيين عندما دبّ الخلاف بينهم وبين أبناء علي، ومبايعته لمحمد بن عبد الله بن الحسن أيام المنصور على الأرجح، وبقاؤه على تلك البيعة بعد قتله إلى أن توفي في سجن المنصور.

يدل ما تقدم على أنه كان يؤمّل أن يرى العدل ينتشر على أيدي قرابة الرسول لكونهم أحق بالأمر من غيرهم، ولما ظَلموا تبيّن له أن أصحاب الحق أولاد علي (عليه السلام).

مالك بن أنس (93 - 179هـ)

المشهور عن مالك أنه لا يرى أن تكون الخلافة في البيت الهاشمي أو العلوي وحده، ويظهر أنه يرى أن تكون في قريش كما تمّ في احتجاج السقيفة.

أما نظام تعيين الإمام فكان يراه حسبما تمّ في سلوك الصحابة -مضيفًا إليه رأيه- بأحد طرق أربعة:

أولاً: نظام الشورى ابتداءً، كما فعل الصحابة مع أبي بكر، ومع علي (عليه السلام).

ثانيًا: نظام الاستخلاف بشرط المبايعة بلا إكراه، كما استخلَف أبو بكر.

ثالثًا: نظام الشورى بين عدد يعيّنهم الخليفة السابق، كما فعل عمر.

رابعًا: نظام الغلبة بالسيف، فمن يتغلب بالسيف ثم يبايعه الناس راضين، تُعدّ ولايته شرعية لا غبار عليها -إذا كان عدلاً في ذاته-.

وكان يعتبر أن بيعة أهل الحرمين الشريفين -مكة والمدينة- كافية، بينما لا تكفي بيعة الأقاليم دونهما.

يتلخّص رأي مالك بأن كل ما وقع بعد النبي (صلى الله عليه وآله) مقبول ومشروع، فالخارج على السلطان ظالم جائر طالما أنه مغلوب، فإذا غلب أصبح مقبولاً وولايته شرعيّة لا غبار عليها -إذا كان عدلاً في ذاته- حتى لو كان ظالمًا جائرًا.

انظر إلى هذا الحوار الذي جرى معه منسوبًا إلى محمد النفس الزكيّة:

[سأله بعض من خرجوا على المنصور -لعله محمد النفس الزكيّة-: بايعني أهل الحرمين وأنت ترى ظلم أبي جعفر -أي المنصور-.

فقال مالك: أتدري ما الذي منع عمر بن عبد العزيز أن يولّي رجلاً صالحًا بعده؟

قال: لا!

قال مالك: كانت البيعة ليزيد، فخاف عمر بن عبد العزيز إن بايع لغيره أن يُقيم يزيد الهرج، ويقاتل الناس، ويفسد ما لا يصلح]([9]).

مع أن مالكًا يرى كفاية بيعة أهل الحرمين، ومع أن أبا حنيفة توفي على بيعة محمد النفس الزكيّة، وقد تقدم رأيه في المنصور.

مع كل ذلك يرى مالك صلاح المسلمين بقبول ولاية الظالم وشرعيتها، يقول أبو زهرة:

[وهكذا نجد مالكًا لا يتجه إلى الصور المثالية لطريقة الاختيار، بل يتجه إلى الوقائع وما عليه حال الأمّة]([10]).

الشافعي (150- 204 ه‍(

اسمه محمد بن إدريس، وقد أنهوا نسبه إلى المطلب أخي هاشم جد النبي ’.

رأيه في الإمامة:

ينقل عنه أبو زهرة في تاريخ المذاهب الإسلامية -ج2 ص250- ما يلي:

[أُثِرت له ثلاثة آراء حول الخلافة في موضوعات:

أولها: أنه يرى الإمامة أمرًا دينيًا لا بد من إقامته.

ثانيها: أنه يرى أن الإمامة في قريش.

ثالثها: أن الشافعي لا يشترط لصحة الخلافة أن تكون البيعة سابقة على التولي، بل إنه يقرر أنه لو تغلب متغلِّب، وكان قرشيًا، ثم عدل واستقام له الأمر، واجتمع عليه الناس، فإنه يُعدّ إمامًا].

قال: وقد روى عنه تلميذه حرملة، أنه قال: [كلُّ قرشي غلب على الخلافة بالسيف واجتمع عليه الناس فهو خليفة].

احتجاجه على صحة آرائه

كان يحتج على أن الإمامة أمر ديني، بأنه لا بد للناس من أميرٍ بِرٍ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، .. حتى يستريح برٌّ ويُستراح من فاجر، كما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

ويحتج على الثاني بقول النبي (ص) لقريش: أنتم أولى بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا (أي تعدلوا عنه) فتلحوا كما تلحى هذه الجريدة.

فشروطه للإمامة ثلاثة:

1- القرشيّة.

2- اجتماع الناس عليه قبل أو بعد تولي الحكم.

3- العدالة.

أحمد بن حنبل (164 - 241 ه‍(

رأيه مثل رأي مالك بن أنس، ولكنه يرى أن الغالب بالسيف تجب طاعته وإن كان فاجرًَا، بينما مالك يقول عن الغالب "إذا كان عدلاً في ذاته".

ملخص رأي أحمد في الخلافة أنها تكون بأحد أربعة أمور:

أولاً: نظام الشورى ابتداء.

ثانيًا: نظام الاستخلاف من الخليفة السابق بشرط المبايعة.

ثالثًا: نظام الشورى بين عدد معين يختارهم الخليفة السابق ليختاروا واحدًا من بينهم.

رابعًا: نظام الغلبة بالسيف لكلِّ بِرٍ وفاجر، فالغالب تجب إطاعته.

وقد جاء في إحدى رسائله ما يلي:

[السمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فاجتمع عليه الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسمّي (أمير المؤمنين)، والغزو ماضٍ مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، وقسم الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة، ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائز، من دفعها إليهم أجزأت عنه برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفه وخلف كل من وَلِيَ، جائزةٌ إمامتُه، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار، مخالف للسنّة .. ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس قد اجتمعوا عليه وأقرّوا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه كان بالرضى أو بالغلبة، فقد شق عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله (ص) فإن مات الخارج عليه مات ميتةً جاهليّة] ([11]).

والنتيجة: أن كل ما وقع ويمكن أن يقع في أمر الخلافة فهو صواب، وتجب إطاعة من وصل إلى هذا المنصب مهما كانت صفاته.

والشيء الوحيد الذي كان يراه هو أن الخلافة في قريش وذلك بمقتضى السنّة.

ودليله على مختاره: سنّة الاتّباع لما سلكه السلف على أن تكون البيعة هي الكلمة النهائية، وسنّة الاتّباع تقتضي:

أ- أن النبي (ص) أشار إلى أبي بكر، ولم يصرح، وذلك أنه اختاره لإمامة الصلاة فكان ذلك إشارة إلى أنه صالح لإمامة الدنيا أتم الصلاحية، وبهذا برَّر الصحابة مبايعته بتعبيرهم (اختاره لأمر ديننا أفلا نختاره لأمر دنيانا!).

ب- اختار أبو بكر عمرَ من بعده، وترك للناس الحق في مبايعته فبايعوه.

ج- اختار عمرُ ستةً وترك لهم أن يختاروا من بينهم واحدًا يَدْعون المسلمين إلى مبايعته، فاختار أربعةٌ منهم عثمانَ، فبايعه المسلمون -ومنهم علي (رض)-.

كما أن لأحمد رأي يلتقي فيه مع سائر الفقهاء في قولهم بإمامة كل من يتغلب بالسيف ورَضِيَه الناس وأقام الحكم الصالح بينهم، وقد اقتصر غيره على هذا الرأي، بينما يذهب هو إلى أبعد من ذلك حيث يرى وجوب طاعة من تغلب وإن كان فاجرًا.

ولما كان مثل هذا الرأي ينافي المرتكزات والفطرة، قام بعضٌ بالاعتذار له عن هذا الرأي. وإليك العذر كما ورد على لسان أبي زهرة:

[هذه آراءٌ تبدو غريبة لأنها تقرّ الظلم وتعتبر الخروج على الظالم خروجًا عن الطاعة، فكيف يقول أحمد ذلك؟! لا شك أن أحمد "لا يقرّ ظلم الظالم" ويؤمن بأنه محاسَب أمام الله تعالى على مقدار ظلمه. وقد روى هو الأحاديث الكثيرة في ذلك، ولكنه ينظر في هذه القضية إلى مصلحة المسلمين، وأنه لا بد من نظام مستقر ثابت، وأن الخروج على هذا النظام يحلُّ قوة الأمّة ويفكّ عراها] ([12]).

ابن حزم الأندلسي (384- 456 هـ)

رأيه في الإمامة

أولاً: "الإمامة" فرض لازم (لأن الناس لا يُصلِحون فوضى، وقيامهم بما أوجبه الله يحتاج لرئيس).

ثانيًا: فرض الإمامة "العادلة" (لأنه لا يُقام الشرع إلا بالإمام العادل ولا يُدفع الظلم إلا به).

ثالثًا: وجوب المبادرة لمبايعة إمام (لأنه لا يحل للمؤمنين أن يبيتوا ليلة وليس في عنقهم بيعة لإمام).

رابعًا: وجوب كون الإمام واحدًا لجميع الأقطار.

شروط الإمام

أولاً: القرشية.

ثانيًا: العدالة، والإسلام، والذكورة، والعلم بما يلزمه من فرائض الدين.

طريقة اختيار الإمام

أولاً: أن يعهد الإمام قبل وفاته إلى إنسان يختاره إمامًا بعده، وهذا أفضل الوجوه وأصحها (ولا فرق في العهد بين الصحة ومرض الموت).

ثانيًا: أن يبادر رجل مستحِق للإمامة فيدعو إلى نفسه ولا منازع له، ومع المنازع فالأسبق.

ثالثًا: أن يعهد الإمام إلى رجل ثقة، أو أكثر من واحد، أن يختاروا إمامًا.

وتتلخّص طريقة ابن حزم: بأن البيعة ليست شرطًا، وبأن الأسبق بالدعوة لنفسه -ولو بطرفة عين- أحق بالخلافة.

وأما باقي الشروط فهو لا يخرج فيها عن الوقائع التي حدثت في تاريخ الخلافةـ فيصحّح كل ما أقرّه الصحابة، بَيدَ أنه يرى أن فشوَ المنكر سببٌ لإخراج الإمام عن إمامته.

ويُعلّق أبو زهرة في كتابه "ابن حزم" على هذه الطريقة بقوله:

[ويُلاحظ عليه أمران:

الأمر الأول: أنه كان ظاهريًا في حكمه في عقد الإمامة .. فهو ينظر إلى الأمر الذي أقرّه الصحابة مجمعين عليه، فوجده لا يخرج عن هذه الوجوه .. بَيْدَ أنه أهمل البيعة في أصل عقد الإمامة ..

الأمر الثاني: الذي نلاحظه أن ابن حزم يقرر أنه إذا فشا المنكر جاز لشخص أن يتقدم يدعو لنفسه، وعلى ذلك يكون فشو المنكر سببًا في أن يخرج الإمام عن الإمامة إذا أعلن الفساد، لأنه يكون قد فقد شرط الإمامة ويكون موضع الإمامة شاغرًًا...]([13]).

ثم ينتقد اختياره الذي يراه أفضل الوجوه وأصحها وهو عهد الإمام إلى من يختاره من بعده، كما ينتقد بشدة الوجه الثاني من طرق اختياره الإمام وهو مبادرة رجل إلى الدعوة لنفسه، ومع تعدده، استحقاق الأسبق بطرفة عين، فيقول:

[وإن الرأيين اللذَين اختارهما لعقد الإمامة أخطر الطرق على المجتمع الإسلامي، وكلاهما يؤدّي إلى فساد الأمر وتوسيده لغير أهله] ([14]).

فأما الأول فقد أدّى إلى الوراثة، بل قد أدّى إلى الفساد، وإلى أن أصبح أمر المسلمين إلى الجَوَاري الحسان، والعبيد والغلمان، وإلى أن صار الحكم استبدادًا غاشمًا([15]).

[وأما الثاني: فإنه لم يكن أقلّ خطرًا على الجماعة الإسلامية من سابقه، بل إنه الفوضى في ذاته، كيف يقال: أن كلّ من يدعو لنفسه ممن يستوفي شروط الخلافة -وكل مُدّعٍ يزعم في نفسه أنه استوفاها- قد عُقِدت له الإمامة بهذا الادعاء ما دام قد سبق غيره بالادعاء ولو بطرفة عين، فإنّه يكون الإمام دون غيره ولو كان غيره أفضل منه؟ بل إنه ليزعم أنه إن التف حول الثاني فضلاء الأمة فإنهم آثمون] ([16]).

[إن ابن حزم كان في هذا التفكير يستمد حكمه من أحوال الأمويين وما كان عليه عصره، ونسيَ (رض) أن حال عصره في الأندلس كان أسوأ أحوال الحكم في الإسلام، فقد قام في عهده بضعة رجال من بني أمية كلهم ادعى الخلافة، وكلهم تسمّى بأمير المؤمنين، وكان يستعين بعضهم بالنصارى على بعض، وكل ذلك في بضع سنين، حتى فسدت الدولة وصار بأس المسلمين بينهم شديدًا، وكفى ذلك عبرة لأولي الأبصار]([17]).

وما يلفت النظر أن حمأة الشيخ أبي زهرة الشديدة على رأي المذهب الظاهري لا تتناسب مع الاعتذار (المتواضع) عن رأي المذهب الحنبلي!

رأي مجمل علماء المسلمين السنّة بشكل عام

يرى علماء السنّة بشكل عام: أن نصب الإمام من أهم الواجبات الدينية. وشروط الإمام ستة، على اختلاف بسيط زيادة أو نقصانًا. وكيفية التعيين تختلف في بعض صورها.

فهذه مسائل ثلاث وهي:

أ- نصب الإمام.

ب- شروطه.

ج- كيفية تعيينه.

الأولى: نصب الإمام

يقول الدكتور عبد الحميد متولي: [إن علماء المسلمين متفقون -اللهم إلا إذا استثنينا القليل منهم- على أن الخلافة (أو الإمامة) أصل من أصول الحكم في الإسلام، وهذا الرأي القائل بوجوب الخلافة هو رأي أهل السنة جميعًا، كذلك رأي الشيعة ألا أن لهم وجهة نظر خاصة في فَهْمِ هذا الوجوب للخلافة].

والقليل المستثنى هم قسم من الخوارج والمعتزلة، لقوله: ورأي المعتزلة والخوارج اللهم إلا عددًا قليلاً من أولئك وهؤلاء.

ويقول ابن حجر الهيثمي في صواعقه:

[اعلم أيضًا أن الصحابة (رض) أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه من أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله (ص)]([18]).

ويقول ابن حزم كما تقدم: [الإمامة فرض لازم، ولا يحلّ للمؤمنين مبيت ليلة بلا بيعة لإمام].

الثانية: شروط الإمام

تختلف شروط الإمام بين عالم وآخر من علماء السنة، والمشهور بينهم عدم نقصانها عن ستة وعدم زيادتها عن ثمانية.

جاء في صحيح مسلم، كتاب الإمامة، ج5 ص159، طبعة بيروت، في هامش "إكمال إكمال المعلم في شرح مسلم":

[قال الآمدي: شروط الإمامة المتفَق عليها ثمانية، وهي:

1 - أن يكون مجتهدًا في الأحكام الشرعيّة.

2 - أن يكون بصيرًا بأمور الحروب وتدبير الجيوش.

3 - أن يكون له من قوة البأس وعظم المراس ما لا تهوله إقامة الحدود.

4 - أن يكون عاقلاً مسلمًا عدلاً ثقة ورعًا.

5 - أن يكون بالغًا.

6 - أن يكون ذكرًا.

7 - أن يكون حرًا.

8 - أن يكون مطاع الأمر نافذ الحكم في محل ولايته، مقتدرًا على زجر من خرج عن طاعته.

أما الشروط المختلَف فيها، فهي ستة:

1 - أن يكون قرشيًا.

2 - أن يكون هاشميًا.

3 - أن يكون عالمًا بجميع مسائل الدين.

4 - أن يكون أفضل من الرعيّة.

5- أن يكون الإمام صاحب معجزات.

6- أن يكون معصومًا. (انتهى كلام الآمدي)([19]).

وينقل الدكتور متولي الشروط فيجعلها ستة([20]):

1 - العدالة.

2 - العلم المؤدّي للاجتهاد.

3 - الرأي المفضي إلى سياسة الرعيّة.

4 - الشجاعة وحماية البيضة.

5- سلامة الحواس.

6- القرشيّة. (انتهى)

فالقرشيّة المختلَف فيها، يشترطها أبو حنيفة -كما استُظهِر من كلامه- ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وابن خلدون وابن حزم والماوردي وأبو يعلى الفر