العدد الثالث / 2005م  / 1426هـ

       رجوع     أرشيف المجلة     الرئيسية

تحقيق العدد

حوزة الإمام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) - بعلبك

أحمد الموسوي

  

□ الشيخ محمد يزبك:

حوزة النجف صمّام أمان، وسماحة آية الله العظمى السيد السيستاني نعمة من الله.

أنوار حوزات جبل عامل وصلت إلى كل الحوزات الأخرى.

الحوزات الدينية حفظت الإسلام وأنارت الدرب.

السيد السيستاني سدٌّ منيع بوجه الاحتلال والفتنة، ومصلحة المسلمين في وحدتهم.

□ الشيخ بلال عواضة:

نسعى للتطوير بالقدر الذي يُحافظ على هوية الحوزة.

لم نُدخل العلوم الجامعية إلى مناهجنا، لكننا ذهبنا إلى الجامعة.

كل مواردنا من الحقوق الشرعية.

□ الشيخ أحمد علي الشيخ:

في هذه الحوزة تأسست نواة حزب الله.

كانت الحوزة الأولى في البقاع، وقادت التفاعل بين الأهالي والثورة الإسلامية في إيران.

السيد عباس الموسوي أسّسها، والشيخ سليمان اليحفوفي قدّم كل عون ومساعدة.


حوزة الإمام المنتظر في مدينة بعلبك، من الحوزات المميّزة، إنها من حوزات قلّة أمكن لها الارتقاء لتكون على مستوى العصر وتحدّياته التي يواجهها الإسلام بكل أبعاده الروحية والفكرية والثقافية.. وحتى السياسية.

هي من الحوزات الكبيرة والناجحة في لبنان، سواء من ناحية توفّر أدوات الدراسة وأساليبها، أو لناحية الأساتذة وكفاءتهم العالية، أو لجهة الشروط الموضوعة لقبول الطلبة، وهي شروط لا تسمح بالانتساب إليها إلا لكل من تتوفّر فيه الأهلية العلمية والأخلاقية، والقدرة على الاستمرار والنجاح، ليكون طالب العلم جديرًا فعلاً بحمل مسؤولية التبليغ والدعوة، وقادرًا بكل ثقة واطمئنان على حمل رسالة الإسلام بتعاليمه الأصيلة ونشر ثقافته المنيرة الساعية دائمًا إلى التغيير في الواقع الإسلامي والدفع به نحو المزيد من الوعي والقوّة والمنعة والحصانة.

التغيير والنهوض بحال المسلمين الشيعة في منطقة البقاع كان الهاجس الأول أو الحُلم الذي دفع إلى تأسيس الحوزة عام 1977م، فحتى ذلك التاريخ لم يُنشأ في تلك المنطقة حوزة، فكانت هي الحوزة الأولى، والخطوة الكبيرة على طريق إحداث التغيير.

عن تلك المرحلة يقول سماحة الشيخ أحمد علي الشيخ:

"لقي إنشاء الحوزة ترحيبًا وتضامنًا واسعين من أهالي المنطقة، كانت اللهفة شديدة في النفوس، كاللهفة إلى الماء في الصحراء".

أستاذ وتلامذة:

والشيخ أحمد علي الشيخ من المؤسّسين الأوائل للحوزة، كان يتابع دراسته العلمية في النجف الأشرف ضمن حلقة دراسية تضم تلامذة الشهيد السيد عباس الموسوي، وحين اشتدّ الحصار والتضييق من النظام الحاكم في حينه على الحوزة ومراجعها وعلمائها أواخر العام 1977م، غادر السيد عباس الموسوي وتلامذته النجف عائدين إلى لبنان، خوفًا من القتل والتصفيات الجسدية التي شرع النظام بارتكابها، وبعد فترة وجيزة من العودة، اجتمعوا ثانية بدعوة من السيد عباس الموسوي الذي اقترح عليهم فكرة إنشاء حوزة في بعلبك.

لماذا في بعلبك؟

يجيب الشيخ أحمد: اختيرت بعلبك بسبب افتقار المنطقة إلى مثل هذه المدارس.

وثانيًا: بسبب الوضع الأمني المريح نسبيًا حينها، ولبُعدها عن ساحة الصراعات اللبنانية اللبنانية، والصراعات اللبنانية الفلسطينية التي كانت دائرة آنذاك في سائر المناطق اللبنانية.

وثالثًا: بسبب وجود قاعدة شعبية تحتضنها وتلتفّ حولها، وكان السيد عباس حينها قد تشاور في الأمر مع سماحة السيد محمد باقر الصدر في العراق ومع سماحة السيد موسى الصدر في لبنان، ولاقى الدعم والتشجيع.

عون ومساعدة:

ويتابع الشيخ أحمد عن مرحلة التأسيس تلك فيقول:

"استأجرنا في البداية منزلاً من غرفتين في محلّة "رأس العين" وبدأنا الدراسة في شباط عام 1978م، كنّا ثلاثة عشر طالبًا، وأستاذًا وحيدًا هو السيد عباس، واستمرّينا على هذه الحال مدّة شهرين إلى أن طلب منّا مفتي بعلبك حينها سماحة المقدّس الشيخ سليمان اليحفوفي الانتقال إلى مبنى مبرّة الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه) الذي وضعه بتصرّفنا وقدّم لنا كل عون ومساعدة لتثبيت الخطوات الأولى لانطلاق الحوزة، الأمر الذي مكّننا من استقبال طلاب جُدد، وأساتذة جُدد، والانتقال إلى مرحلة جديدة من الدراسة التي أصبحت تشمل مراحل المقدّمات والسطوح كافّة".

ويتابع الشيخ أحمد علي الشيخ:

"عام 1979م خَطَت الحوزة نحو مرحلة جديدة بالانتقال إلى مبناها الملاصق لمسجد الإمام علي (عليه السلام)، ففي هذه الفترة التحق بهيئة التدريس سماحة الشيخ محمد يزبك والشيخ صبحي الطفيلي والشيخ علي العفي، وتمّ استقبال طلاب من كافّة المناطق والعائلات، وهذا التوجّه تعمّده السيد عباس لتغطية الحاجة الملحّة إلى التبليغ والتعليم.

تحوّل:

مع بداية الثمانينات، طرأ تحوّل نوعي في مسيرة حوزة الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه) فدعوات التبليغ التي انطلقت منها غطّت كل المنطقة من البقاع الغربي إلى أقاصي البقاع الشمالي، وتوزّع أساتذتها وطلابها على كافّة البلدات والقرى في مهام تبليغية وفي مقدّمتهم السيد عباس الموسوي والسيد حسن نصر الله والشيخ محمد خاتون وآخرون.

فالثورة الإسلامية كانت انتصرت في إيران بقيادة الإمام الخميني - كما يقول الشيخ أحمد علي الشيخ - وكانت الحوزة مُهيأة لتقود التفاعل بين مسلمي المنطقة وخاصة الشيعة، وبين الثورة الإسلامية المنطلقة من إيران، وحين حصل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م، في هذه الفترة وداخل الحوزة عُقدت اللقاءات الأولى والمشاورات التي قادها السيد عباس الموسوي مع علماءَ آخرين، والتي أَفْضَت إلى النواة الأولى لتأسيس حزب الله.

وفي تاريخ تأسيس الحوزة - كما يرويه الشيخ أحمد علي الشيخ –انتقل الإشراف عليها في السنين التي تلت الاجتياح الإسرائيلي إلى سماحة الشيخ علي العفي، وسماحة الشيخ محمد يزبك، بعد انشغال السيد عباس الموسوي وتفرّغه لقيادة المقاومة، ثم انتهى أمر الإشراف عليها عام 1993م إلى سماحة الشيخ محمد يزبك بشكل كليّ، فَخَطَت معه خُطوة جديدة إلى الأمام من ناحية التطوّر في الدراسة العلمية، إذ تمّ البدء رسميًا بتدريس مرحلة ما بعد السطوح الذي يتولّى تدريسه إلى الآن سماحة الشيخ محمد يزبك منذ انتقال الحوزة عام 1997م من منطقة "عين بورضاي" إلى مبناها الحالي في منطقة "العسيرة" في بعلبك.

أدوار عظيمة:

ما قامت به حوزة الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه) في منطقة البقاع من مساهمة كبيرة في اليقظة الإسلامية ونشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) وتوثيق صلة الناس بالمسجد والحسينية، وما قامت به على الصعيد اللبناني عامّة من مساهمة زاخرة بالعمل والتضحيات في سبيل نصرة الحق والقضايا الإسلامية في لبنان والعالم الإسلامي، كل ذلك ليس إلا الامتداد الطبيعي التاريخي للعمل الحوزوي الذي حفظ على مرّ التاريخ الإسلامَ وعلومه وتعاليمه نقلاً من مرجع إلى مرجع ومن قبلُ من إمام إلى إمام من أهل بيت الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)

وعن هذا الدور للحوزة العلمية في التاريخ الإسلامي تحدّث لـ(رسالة النجف) المدير العام لحوزة الإمام المنتظر والوكيل الشرعي العام لسماحة السيد علي الخامنئي في لبنان سماحة الشيخ محمد يزبك، فقال:

قامت الحوزة العلمية عبر التاريخ بأدوار عظيمة مختلفة، فهي تأسّست على بُنيان فكري أرساه الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، عندما كان المسجد النبويّ الشريف هو مُنْطَلق الحوزة الدينية، حيث كان يجلس الرسول للتعليم والعبادة وتعبئة الأمة التعبئة الصحيحة ولتخريج العلماء والمفكّرين على امتداد هذا التاريخ، ثم سَعَت حركة أتباع الأئمة (عليهم السلام) لتطوير هذه الحوزات من إمام إلى آخر، من خلال الذين درسوا في مدارسهم وتخرّجوا منها لحفظ الإسلام، واستمرّ هذا الأمر في زمن حضور الأئمة إلى زمن الغيبة الصغرى حيث تحدّدت المرجعية بالنوّاب الأربعة، ومن ثمّ في زمن الغيبة الكبرى، فإن الذي حفظ أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وتعاليمهم وحفظ الإسلام بكل أبعاده هو الحوزات العلمية التي انطلقت من بغداد إلى الحلّة والنجف والى جبل عامل وحلب، والى أصفهان وقم ومناطق أخرى.

وعندما نتحدّث عن هذه الحوزات لا نعود إلى عمق التاريخ وإنما إلى الواقع المعاصر، فالنجف الأشرف كانت الحوزة العلمية التي تمثّل النموذج، وخصوصًا عندما وقفت بوجه الاستعمار البريطاني، وخرج العلماء بقيادة مراجعها لمحاربة المحتلّ البريطاني ووقفوا إلى جانب العثمانيين في هذه الحرب رغم ما لاقوا منهم من الويلات والاضطهاد حفاظًا على الوحدة الإسلامية، وأيضًا حين اندلعت ثورة العشرين في العراق فإنها انطلقت من الحوزة العلمية في النجف الأشرف بقيادة المراجع العظام حينها وبقية العلماء.

وفي فترة مرجعية المقدّس آية الله العظمى السيد محسن الحكيم شهدت الحوزة حركةً ونموًّا غير عاديّين باتجاه المدن والأرياف والقرى، ومن ضمن ما تمّ إنجازه حينها المكتبات العامة التي أُسّست بإشرافه، وكل هذه الحركة تشهد على الحضور الفكري والثقافي للحوزة العلمية، وعلى أن حضور الحوزة هو قضاءٌ على الجهل، فعندما انتشرت مثل هكذا مكتبات في معظم المدن العراقية ساعدت على مكافحة الجهل وساهمت بالنهوض بالواقع الإسلامي، ولذلك حصلت حرب موجّهة ضد الحوزة الدينية في زمن السيد الحكيم، وأصبحت الحوزة في النجف مرمى لسهام الآخرين، وكان الهدف تأميم هذه الحوزة وجعلها تحت وصاية الدولة أو الحكم أو النظام القائم لتوجيهها بالوجهة التي يرغب بها أهل هذا الحكم أو النظام، لكنّها بقيت عصيّة على هذا الأمر ورفضت الانسياق لهذه التوجّهات، وقد دفعت ثمنًا غاليًا بسبب ذلك، فحُوصرت وضُيّق الخناق عليها واستشهد العديد من علمائها ومراجعها في ظل الحكم البعثي وفي مقدمّتهم الشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر، وهم يواجهون محاولة السيطرة على الحوزة وتفتيتها، وقد بلغ عدد الشهداء من العلماء المئات بل الآلاف، وبعض الأسر العلمية كآل الحكيم كان لهم النصيب الأوفر من هذا السهم الكبير من الشهداء، ناهيك عن الأسر الأخرى والشعب العراقي عامّة، وكل ذلك لتفريغ الحوزة العلمية من مضمونها وإنهاء دورها وما آل إليه الأمر مع آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره)، وبقية المراجع الآخرين الذين استشهدوا بطرق وأساليب مختلفة يشهد على حجم الحرب التي شُنّت على الحوزة، وعلى حجم التضحيات التي قدّمها المراجع والعلماء لمنع تنفيذ مخطّطات المستعمر أو المستكبر التي تريد النيل من الإسلام وتريد منع نهوض أمّة الإسلام.

وإذا عُدنا إلى حوزة قم فنرى أن الله سبحانه وتعالى منَّ على هذه الأمة في هذا العصر بالإمام الخميني (قدس سره) الذي هو خرّيج الحوزة العلمية، ومنها انطلق في قيادة الثورة الإسلامية التي انتصرت في إيران، وكان من أشد الحريصين على أن تبقى الحوزة على الدوام متحرّرة من كل القيود لتستمرّ كما كانت على مرّ التاريخ صمّام الأمان والضمانة لمستقبل الأمّة ومستقبل الإسلام والنموذج الذي نعرف منه عظمة الإسلام، وأيضًا من بركات هذه الحوزة في لبنان إنشاء حوزات متعدّدة فيه، بسبب الوضع الصّعب الذي كانت تعيشه الحوزة المباركة في النجف قبل سقوط النظام البعثيّ، ولبنان مفضل على العالم الإسلامي من خلال العديد من العلماء الكبار الذين ساهموا مساهمةً عظيمة في إعزاز الإسلام العزيز، وهذه آثارهم وكتبهم التي لا يزال بعضها يُدرّس اليوم في كل الحوزات العلمية، وهذا دليل على أن الحوزة التي كانت في جبل عامل استطاعت أن تُوصل أنوارها إلى الحوزات الأخرى، وقد عاد بعض العلماء والطلبة ليعيدوا تلك الأمجاد من خلال إنشاء الحوزات في لبنان التي تتعاون فيما بينها وتعمل على هداية الناس وجمع الكلمة ووحدتها وإظهار حقيقة هذا الإسلام العزيز، لأننا بحاجة إلى بيان هذا الإسلام بثوبه النقيّ الطاهر، والحوزات هي التي تأخذ على عاتقها هذه المهمّة، من خلال تخريج بعض أبنائها للقيام بالدعوة الصادقة إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا فإن أيّ دور لأية حوزة علمية في أي مكان لا يمكن إلا أن يكون في مقدمة الرّكب في حمل المشعل الذي يُنير الدرب للآخرين. 

يتبع=  

أعلى الصفحة     محتويات العدد الثالث    أرشيف المجلة     الرئيسية