المدخل
لقد حفلَ تاريخنا الإسلامي -كما هو الحال في غيره من
التواريخ- بالشَّخصيات التي أثارت الجدل منذُ عصر النبيِّ
محمد (صلى لله عليه وآله) وإلى يومنا هذا.
وتعرَّض كثيرون لتلك الشَّخصيات في كتب التَّراجم وغيرها،
بل صنَّفَ بعضُهُم تصانيفَ مختصَّةً بدراسة بعضها.
ولسنا بصدد إحصاء عدد هؤلاء، أو سرد أسماء من تعرَّضَ لهم،
أو دراسةِ أحوالهم وتحقيق الحال فيهم.
وإنَّما أعددنا هذا المقال لتسليط الضَّوء على زاويةٍ من
زوايا شخصيَّة كعب الأحبار الحِمْيَري، وهي بيانُ حاله
وحال رواياته عند علماء الطَّائفةِ الحقَّة، لنثبتَ للقارئ
الكريم أنَّ ما اتُّهِمَ به تراثنا الروائي -أي تراث
الشيعة الإمامية الإثني عشرية- من كونه قد تعرض من قبل كعب
الأحبار لدَسَّ الكثير من الروايات اليهودية والنصرانية
والمجوسية إنما هي فريةٌ باليةٌ وتهمة واهية([1])،
لا يخفى زيفُها على أهل العلم والتَّتبُّع.
ولئِنْ كان صاحبُ الدَّعوى مطالَبًا بإبراز الدليلِ الذي
يصدِّقُ دعواه، فإنَّنا لن نطالبه بإبراز دليله عليها
لأنَّ التكليفَ بغير المقدور قبيحٌ عقلاً!!
عِلمًا بأنَّ دعوى الدسِّ لا يمكنُ قبولُها أو توجيهُهَا
بأيِّ شكلٍ من الأشكال، سواءٌ وجَّهوا تُهمةَ الدسِّ إلى
كعبٍ أم إلى غيره، وذلك لمنهجية علماء الطَّائفة المتَّبعة
في حفظهم لتراثهم الرِّوائي الواصل إليهم عن النبي وأهل
بيته (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين).
ولَمَّا كان البحث مقصورًا على معالجة تهمة كعب الأحبار
بالدسِّ فنكتفي بنقل عبارةٍ لشيخ الطَّائفة وزعيمها الشيخ
الطُّوسي (رضوانُ اللهِ عليه) فيها الكفاية وحصول الغاية،
وسنتعرض في أواخر البحث لتلك المنهجية.
قال (طيَّبَ الله رمسه): (فإني وجدتها [أي الفرقة المحقَّة
أعلى الله كلمتها] مجمعةً على العمل بهذه الأخبار، التي
روَوها في تصانيفهم، ودوَّنوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك
ولا يتدافعونه، حتى أنَّ واحدًا منهم إذا أفتى بشيءٍ لا
يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب
معروف، أو أصل مشهور، وكان راويه ثقةً لا يُنكر حديثُهُ
سكتوا، وسلَّموا الأمر في ذلك وقبلوا قولَهُ.
وهذه عادتهم وسجيتهم من عهد النبي (صلى لله عليه وآله)
ومَنْ بعده من الأئمة (عليهم السلام)، ومن زمن الصادق جعفر
بن محمد (عليه السلام) الذي انتشر العلم عنه وكثرت الرواية
من جهته)([2]).
هيكليَّةُ البحث
وزَّعنا البحثَ على
المحاور التالية:
الأول: كعبُ الأحبار
عند المعصومِ (سلامُ اللهِ عليه) .
الثاني: كعبُ
الأحبار عند الصَّحابة.
الثالث: كعبُ
الأحبار عند فقهاء الطَّائفة الحقَّة.
الرَّابع: مرويَّاتُ
كعب الأحبار في تراثنا الرِّوائي.
الخامس: دعوى
الدَّسِّ في الميزان.
الخاتمة.
تمهيد
اعلم أنَّ كعب الأحبار عند الشِّيعة فاسدُ الدِّين
والعقيدة، كذَّابٌ، مذمومٌ، مفترٍ، لا يُعِيرونَ
لمرويَّاتِهِ اهتمامًا، ولا ينقلونَ منها شيئًا إلا من باب
(والفضلُ ما شهدت به الأعداءُ)، بل لا يرتضونَ إسلامَهُ
لما ثبتَ من تاريخه الأسود الإسرائيلي([3])!!
وقد شاركهم في عقيدتهم هذه بعض علماء المخالفين، الذين
كتبوا بحوثًا مستقلَّةً بيَّنوا فيها إسرائيليَّة منهج كعب
الأحبار وخطره على الإسلام([4]).
ومَن كان هذا حالُهُ عندنا فلن تجِدَ لمرويَّاته في
تراثِنا أثرًا، إلا كآثار أبي هريرة وغيره، ممَّن اشتهرَ
حالُ كذبهم وسقوط إخباراتهم عن الاعتبار، فيكونُ التعرُّض
لذكرِها من باب الاحتجاج عليهم وإلزام الخصم بما ألزم به
نفسَه، أو من باب التسامح في نقل ما يُطمأنَّ بسلامة متنه
-لاحتفافِهِ بقرائنَ واعتضادِهِ بمؤيِّدات- وإنْ وهى
سندُه، ومع ذلك فهو قليلٌ كالنادر.
وقد دلَّنا على فسادِ عقيدة كعب الأحبار وكذب مرويَّاته،
الصحيحُ من الأخبار، والصَّريح من الآثار، مضافًا لكونه
بمجرد إظهاره الإسلام في عهد إمارةِ عمر بن الخطَّاب أصبح
مستشارَه الخاص، ومرجعَه في الفُتيا والدين!! ثمَّ بعد ذلك
كان من مستشاري عثمان بن عفَّان، وكان عونًا لهما على أمير
المؤمنين علي (عليه السلام)([5]).
منهجيَّةُ المعصوم
(عليه السلام)
مع أهل الريب
حرصَ النبيُّ وأهلُ بيته (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين) على
كشفِ هويَّةِ أهل الريب والضلالة، تصريحًا أو كنايةً،
تخصيصًا أو تعميمًا، صيانةً لدين العباد من الاغترار بأهل
الفساد.
وتتبُّعُ موارد هذه المنهجيَّةِ يستدعي تأليفًا مستقلاً،
لكثرةِ المنافقين والمبتدعين، الذين مزجوا الحقَّ بالباطل
والهدى بالضلال، فكاد أن يخفى حالُهم وينالَ المؤمنين
ضلالُهم، لولا تدخُّلُ المعصوم (عليه السلام) بكشف النقاب
وإرشاد المؤمنين إلى درب الصواب، مستخدِمًا شتَّى أساليب
التعبير التي وصلت إلى حدِّ التَّصريح بلعنِ بعضهم ولعنِ
أتباعه، حسب خفاء حالهم وشدَّةِ ضلالِهم، فلم يتركْ
لمعتذرٍ عذرًا.
ومن تلك الفئةِ أبو الخطَّاب (لعنه الله)، وهو محمدُ بنُ
أبي زينب، كان مستقيمَ الأمر أولاً، وقد عملت الطَّائفةُ
برواياته أيامَ استقامته([6])،
ثمَّ ساءت خاتمتُه([7])،
فابتدع في الدين، وأكثر من الكذب على أبي عبد الله الصادق
(عليه السلام)، وقال بالتناسخ([8])،
وصار له أتباعٌ عُرفوا بالخطَّابية([9]).
لذلك ترى روايات ذمِّهِ والطعنِ فيه ولعنِهِ قد تضافرت
وتكاثرت، وقد جمع منها صاحبُ تنقيح المقال العلاّمةُ
المامقاني (رضوانُ اللهِ عليه) أكثر من ثلاثين حديثًا([10]).
فانتهت فتنتُهُ، وماتت بدعتُهُ، فلا ترى لهم من باقية،
وذلك بفضلِ تصدِّي حجَّة الله ووليِّه (سلامُ اللهِ عليه)
لكشف حقيقةِ أبي الخطَّاب والحيلولةِ دون اغترار العباد
به.
وهذا شاهدٌ من شواهدَ جمَّة، تعكس صورةَ اهتمام المعصومِ
(عليه السلام) واهتمام أصحابه بكشفِ حال كلِّ مبتدعٍ لا
يُؤمَنُ اغترارُ الناس به، لحُسنِ حاله سابقًا، أو
لِعَمَلِ الإعلام الظالمِ على تلميعِ صورته، وما كعبُ
الأحبار إلا واحدًا من تلك الفئة الضالَّة المُضلَّة.
وسنكتفي بنقلِ ما وردَ عن الأئمة (عليهم السلام) وكبار
الصَّحابة في تكذيب كعب الأحبار والطعن في دينه، مضافًا
لبعض كلمات أعاظم فقهائنا في حقِّه، تصديقًا لما قلناه،
وتحقيقًا لما رمناه، فنقول:
المحور الأول: كعبُ
الأحبار عند المعصومِ (سلامُ اللهِ عليه)
والذي وصل إلينا ممَّا روي عن أهل آية التطهير (صلواتُ
اللهِ عليهم) في حقِّ كعبِ الأحبار صريحٌ في كذبِ لسانه،
وعدم إيمانه، ممَّا يجعلُهُ مفضوحًا أمرُهُ، مكشوفًَا
سترُهُ، فلا يلتبسُ حالُهُ على رواتنا، ليحصلَ الدسُّ منه
في رواياتنا، كما قد يتوهَّمُهُ جاهلٌ، أو يدَّعيه مُمَاحل.
أمير المؤمنين عليٌّ
(صلوات الله عليه) يصِفُهُ بالكذَّاب
أوَّلُ من وصف كعب الأحبار بالكذَّاب هو أميرُ المؤمنين
(عليه السلام)؛ قال ابنُ أبي الحديد: [روى جماعةٌ من أهل
السِّيَر: أنّ عليًَّا (عليه السلام) كان يقول عن كعب
الأحبار: "إنَّه الكذَّاب". وكان كعبُ منحرفًا عن علي
(عليه السلام)]([11]).
تأييدُ نقل ابن أبي
الحديد
أقول: ويشهد لما رواه ابنُ أبي الحديد ما رُويَ عن ابن
عباس، قال: سألتُ عليَّا (عليه السلام) عن معنى قوله
تعالى: {رُدُّوها عَلَيَّ
فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأَعْناقِ}؟
فقال: "ما بلغَكَ فيها يا ابن عباس؟".
قلت: سمعت كعبًا يقول: اشتغل سليمانُ بعرض الأفراس حتى
فاتته الصلاة، فقال: {ردُّوها
عليَّ} يعني الأفراس، وكانت أربعة عشر فرسًا، فضربَ
سُوقَها وأعناقَها بالسيف، فقتلها، فسلبه الله ملكَهُ
أربعةَ عشَرَ يومًا، لأنَّه ظلَمَ الخيلَ بقتلها.
فقال عليٌّ (عليه السلام): "كذبَ كعبٌ، لكنْ اشتغَلَ
سليمانُ بِعَرْض الأفراس ذات يوم، لأنَّه أرادَ جهادَ
العدو، حتَّى توارت الشَّمس بالحجاب، فقال -بأمر الله
تعالى- للملائكة الموكلين بالشمس:
{ردُّوها عليَّ}
فرُدَّت، فصلَّى العصرَ في وقتها. وإنَّ أنبياءَ الله لا
يظلِمونَ، ولا يأمرون بالظُّلم، لأنَّهم معصومون مطهَّرون"([12]).
فائدةٌ صدوقيَّة
قال الشَّيخُ الصَّدوقُ (رضوانُ اللهِ عليه): إنَّ
الجُهَّال من أهل الخلاف يزعُمُون: أنَّ سليمان (عليه
السلام) اشتغل ذات يوم بعرض الخيل حتى توارت الشمس
بالحجاب، ثمَّ أمر برَدِّ الخيل، وأمر بضرب سُوقها
وأعناقها، وقتلها، وقال: إنَّها شغلتني عن ذِكْر ربِّي!!
وليس كما يقولون!! جلَّ نبيُّ الله سليمان (عليه السلام)
عن مثل هذا الفعل، لأنَّه لم يكن للخيل ذنبٌ فيضرب سوقها
وأعناقها، لأنَّها لم تُعرضْ نفسها عليه، ولم تشغله!
وإنَّما عُرِضت عليه، وهي بهائم غير مُكلَّفة!!
والصحيح في ذلك: ما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال([13]):
"إنَّ سليمان بن داود (عليه السلام) عُرِضَ عليه ذات يومٍ
بالعَشيِّ الخيلُ، فاشتغل بالنَّظرِ إليها، حتَّى توارت
الشَّمسُ بالحجاب.
فقال للملائكة: ردُّوا الشَّمسَ عَلَيَّ حتَّى أصليَ صلاتي
في وقتها، فرَدُّوها، فقامَ فمَسَحَ ساقَيْهِ وعنُقَهُ،
وأمرَ أصحابَهُ الذين فاتتهم الصلاةُ معه بمثل ذلك، وكان
ذلك وضوءَهم للصَّلاة.
ثمَّ قام فصلى، فلمَّا فرغ غابت الشَّمسُ، وطلعت النُّجوم:
وذلك قول الله عزَّ وجلَّ:
{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ
أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ
الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ
حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ
بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا
بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ}([14])".
فائدةٌ لُغَويَّة
قال الرَّاغبُ الأصفهاني: (العَشيُّ) من زوال الشمس إلى
الصباح، والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة([15]).
الإمامُ الباقر (عليه
السلام) يكذِّبُهُ
روى فخرُ الطائفة ثقةُ الإسلام الكليني (رحمه الله)
بإسناده عن أجلاّء الثِّقات والمحدِّثين، حديثَ تكذيبِ
الإمام الباقر (عليه السلام) لكعبِ الأحبار، وتفصيل
الحديث:
عليُّ بنُ إبراهيم، عن أبيه؛ ومحمدُ بنُ إسماعيل، عن الفضل
بن شاذان، جميعًا عن ابنِ أبي عُمَير، عن عمر بن أُذَينة،
عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا إِلَى جَنْبِ أَبِي
جَعْفَرٍ (عليه السلام) وهُوَ مُحْتَبٍ [الاحتباء: ضمُّ
الركبتين إلى الصدر]، مُسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ:
"أَمَا إِنَّ النَّظَرَ إِلَيْهَا عِبَادَةٌ".
فَجَاءَه رَجُلٌ مِنْ بَجِيلَةَ -يُقَالُ لَه عَاصِمُ بْنُ
عُمَرَ- فَقَالَ لأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): إِنَّ
كَعْبَ الأَحْبَارِ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ
تَسْجُدُ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي كُلِّ غَدَاةٍ!!
فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): "فَمَا تَقُولُ
فِيمَا قَالَ كَعْبٌ؟!"..
فَقَالَ: صَدَقَ، الْقَوْلُ مَا قَالَ كَعْبٌ.
فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): "كَذَبْتَ! وكَذَبَ
كَعْبُ الأَحْبَارِ مَعَكَ"، وغَضِبَ.
قَالَ زُرَارَةُ: مَا رَأَيْتُه اسْتَقْبَلَ أَحَدًا
بِقَوْلِ: "كَذَبْتَ" غَيْرَه...الحديث([16]).
ولا يخفى أن التعبير بـ [كَذَبَ كعبٌ] صريحٌ في كونِهِ
كاذبًا عند إمامنا الباقر (سلامُ اللهِ عليه)، وإلا لقال:
أخطأ كعب، أو: هذا كذبٌ، ليحتمل أن يكون الخبر كذبًا، وإن
لم يكن المُخبِر قاصدًا للكذب، وغيرها من أساليب التعبير.
فاختيارهم هذا التعبير دون غيره صريحٌ في إرادتهم كشفَ
هويةِ كعبٍ، وإسقاط أخباره عن الاعتبار.
وكذلك الحال في عبارات تكذيب كعبٍ الآتية على لسان
الصحابة، وقد حاول بعض علماء العامة تخفيف شدة التعبير،
فزعم أنَّ المراد بكذب كعبٍ خطأُه واشتباهُهُ، وهو خلطٌ
بين تكذيب الخبر وتكذيب المُخْبِر، فيا للحُبِّ كيف يُعمي
ويُصِمُّ؟!!
فمعنى الكاذبِ في اللغةِ جَليٌ لا إبهام فيه، ولا اشتراك
في لفظه، وهو الذي يُخبِرُ بخلافِ الواقع قاصدًا
متعمِّدًا، وإلا سمَّوهُ مشتبهًا ومخطئًا ومتوهِّمًا
ونحوها من الألفاظ الدالَّة على الخطأ في الإخبار، وشاهدُ
ذلك التَّبادر.
وأمَّا استعمالاً فلم نعثر في القرآن ولا في السُّنَّة
النبويَّة ولا في استعمالات المتشرِّعة وغيرهم ما يفيد
إرادة المخطئِ من لفظ الكاذب!!
ثمَّ لو سلَّمنا بما زعموه، ألم يسألوا أنفسهم: لماذا
عَدَلَ أمير المؤمنين (سلامُ اللهِ عليه) والصحابة -الذين
سنوافيك بأخبارهم- عن التعبير بـ (أخطأ كعب) إلى "كَذَبَ
كعب"؟!
المحور الثاني: كعبُ
الأحبار عند الصَّحابة
لقد كان موقفُ كبار الصَّحابةِ وأجلاّئهم كموقفِ سيِّدهم
أمير المؤمنين (سلامُ اللهِ عليه)، حيثُ كانوا يسارعون إلى
فضحِ كذبِ كعب الأحبار، وكشفِ هويَّته، كلَّما أُتيحت لهم
الفرصةُ وفُسِحَ أمامَهم المجال.
والنَّماذج التي سنستعرِضُها توضِّحُ موقفهم، رغمَ تفاوتِ
مكاناتهم الاجتماعية، واختلافِ مواقفِهِم السياسية.
أبو ذر الغفاري
(رضوان الله عليه) يفضحُ هويَّتَهُ اليهوديَّة
ومقامُ سيِّدنا أبي ذر (رضوانُ اللهِ عليه) ومكانتُهُ
وعلوُّ شأنِهِ أشهر من نارٍ على علم، ويكفيه ما رواهُ
المؤالفُ والمخالفُ من قول النبي (صلى لله عليه وآله) فيه:
"ما أظلَّت الخضراءُ ولا أقلَّت الغَبراءُ على ذي لهجةٍ
أصدق من أبي ذَرٍّ"([17]).
روى جمعٌ من المؤرِّخين خبرَ اعتراض أبي ذر (رضوان الله
عليه) على عثمان وسياسته، وكان ذلك بحضور كعب الأحبار
مستشار عثمان، فقال كعب لأبي ذر: ألا تتقي الله يا شيخ،
تجيب أمير المؤمنين بهذا الكلام؟!
فرفع أبو ذر عصا كانت في يده، فَضَربَ بها رأسَ كعبٍ، ثم
قال له: [يا ابن اليهوديّين!! ما كلامُك مع المسلمين؟!
فوالله ما خرجت اليهوديَّةُ من قلبك بعدُ]([18]).
تعقيبٌ قشيب
قال صاحبُ رائعةِ التَّصانيف في القرن العشرين (الغدير)،
ذو البيان المصقع، واليراع المبدع، الذي أثنى على كتابه
المؤالفُ والمخالف -تعقيبًا على رواية أبي ذر الغفاري
(رضوانُ اللهِ عليه) الآنفةِ الذِّكر-:
[فنداءُ أبي ذر -في موقفه هذا- نداءُ القرآن الكريم، ونداء
المشرِّع الأعظم، ونداء تابعيهما من الصَّحابة والتابعين.
ولا يردُّ ذلكَ إلا مثلُ كعب الأحبار، الذي هو حديثُ عهدٍ
باليهوديَّة، وقد اعتنق الإسلام أمسِ، على حين إنه لم
يُسْلِم طيلةَ عهد النبوَّة!! وإنما سالَمَ على عهد عمر.
ولا أدري! هل حَدَتْه إلى ذلك الحقيقة؟ أو الفَرَقُ من بطش
المسلمين وشوكتهم؟ أو الطَّمعُ في العطاء الجاري؟
ولا أدري أيضًا! أنَّه -في مدة إسلامه القصيرة- هل أحاط
خبرًا بنواميس الإسلام وفروضه وسُنَنِهِ أو لا؟ ولا
أحسبُ!! كما أوعز إليه أبو ذر الناظرُ إليه من كَثَب، حيث
قال له: يا ابن اليهوديَّة! ما أنتَ؟ وما هاهنا؟
وكان من حقِّهِ أن يؤدَّبَ بالمِحْجَن، كما فعله سيِّدُ
غِفَار، ساء الخليفةَ أم سرَّه!! لأنَّه لم يكن أهلاً
للفتيا، فأفتى تِجاهَ عالِمٍ من علماء الصحابة الذي مِلْءُ
إهابِهِ العلمُ بالكتاب والسُّنَّة، وحَشوُ ردائِهِ
الفروضُ والسُّنَن، ولا يُفرغُ إلا عن رسول الله (صلى لله
عليه وآله)، وما أظلَّت الخضراءُ وما أقلَّت الغبراءُ من
ذي لهجةٍ أصدقَ وأوفى من أبي ذر]([19]).
عبد الله بن عباس
يكذِّبُهُ ويطعنُ في دينه ويشتمُهُ
روى الطَّبري (من علماء القرن الثالث الهجري) بإسناده، عن
عكرمة، قال: بينا ابنُ عباس ذات يوم جالسٌ، إذ جاءه رجُلٌ،
فقال: يا ابن عباس! سمعتُ العجبَ من كعب الحبر، يذكُرُ في
الشمس والقمر!!
قال: وكان متَّكئًا، فاحتفز، ثمَّ قال: وما ذاك؟
قال: زعم أنَّه يُجاءُ بالشمس والقمر يوم القيامة،
كأنَّهما ثوران عقيران، فيُقذفان في جهنَّم!
قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شفةٌ، ووقعت أخرى غضبًا،
ثمَّ قال: كذبَ كعبٌ، كذبَ كعبٌ، كذبَ كعبٌ -ثلاث مرات- بل
هذه يهوديَّةٌ، يريد إدخالها في الإسلام!! الله أجلُّ
وأكرمُ من أن يعذِّبَ على طاعته، ألم تسمع قول الله تبارك
وتعالى: {وسخَّرَ لكم الشَّمسَ
والقمرَ دائبَين}؟!
إنَّما يعني دَؤُوبَهُما في الطاعة، فكيف يعذِّبُ عبدَينِ
يُثني عليهما أنَّهما دائبان في طاعته؟!!
قاتل الله هذا الحَبر! وقبَّحَ حبريَّتَه! ما أجرأهُ على
الله، وأعظمَ فريتهُ على هذين العبدين المطيعين لله؟!!
قال: ثم استرجع مرارًا، وأخذ عُوَيدًا من الأرض، فجَعَلَ
ينكتُهُ في الأرض، فظل كذلك ما شاء الله...الحديث([20]).
فانظر إلى قوله ثلاثًا: [كذب كعب]، وقوله: [بل هذه
يهوديَّةٌ، يريد إدخالها في الإسلام]، وقوله: [قاتل الله
هذا الحَبر! وقبَّحَ حبريَّتَه]، وقوله: [ما أجرأهُ على
الله، وأعظمَ فريتهُ..]، لترى أنَّ كعبًا عند هؤلاء كان
متَّهمًا في دينه فضلاً عن روايته!!
الصَّحابيُّ الجليل
حذيفة بنُ اليمان يكذِّبُهُ
وحذيفةُ بنُ اليمان (رضوانُ اللهِ عليه) ذاكَ الصَّحابيُّ
الجليل والثِّقةُ الأمين، والمعدودُ في خواصِّ أمير
المؤمنين (سلامُ اللهِ عليه)، وقد كانَ النبي (صلى لله
عليه وآله) أسرَّ إليه بأسماء المنافقين من صحابته! ممَّا
يدلِّلُ على رسوخ إيمانه وسلامة قلبه بحيثُ صار مستودَعًا
لأخطر الأسرار!!
قال ابنُ حَجَر([21]):
وأخرجَ ابنُ أبي خيثمة بسندٍ حسنٍ، عن قتادة، قال: بلَغَ
حُذيفةَ أنَّ كعبًا يقول: إنَّ السماءَ تدورُ على قطبٍ
كالرَّحى.
فقال: كذبَ كعبٌ!! إنَّ الله يقول:
{إنَّ اللهَ يُمْسِكُ
السَّمَاوَاتِ والأرضَ أنْ تَزُولا}([22]).
عبد الله بن مسعود
يكذِّبُهُ، ويطعنُ في دينه
عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: جاء رجلٌ من أصحاب ابن مسعود
إلى كعب الأحبار، يتعلم منه العلم، فلمَّا رجع، قال له ابن
مسعود: ما الذي أصبتَ من كعب؟
قال: سمعتُ كعبًا يقول: إنَّ السماءَ تدورُ على قطبٍ مثلَ
قطب الرحى، في عَمودٍ على منكب ملك!
فقال له عبد الله: وددتُ أنَّك انقلبتَ براحلتِكَ
ورحْلِها! كذب كعبٌ! ما ترك يهوديَّته!
إنَّ الله تعالى يقول: {إنَّ
اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ والأرضَ أنْ تَزُولا}([23])،
إنَّ السماوات لا تدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت([24]).
يتبع =
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
([1])
لم يكن صدور مثل هذه التهمة الكاذبة من صاحبها
متوقَّعًا، فلقد كان يقدِّمُ برنامجًا حواريًَّا
دفاعًا عن قواعد المذهب الحق، وإذا به يتحوَّلُ من
صاحب دليل وبرهان إلى صاحب ادِّعاء وبهتان، رزقنا
الله حسنَ العاقبة.
([2])
العدة في أصول الفقه: ج1/ ص126.
([3])
كما ستقفُ على ذلك في طيَّات هذا البحث.
([5])
وهذا جليٌّ واضحٌ لمن قرأ سيرة كعب، وكيفية
انتقاله من اليهوديَّة إلى الإسلام ظاهرًا، وسرعة
تصدِّيه للافتاء والكلام بمسائل الدين، واهتمام
عمر وعثمان باحتوائه، ومصادرُ العامَّة حافلةٌ
بأخباره، فليراجع تاريخ ابن عساكر ج50 ص151-176،
وغيره من مصادرهم.
([6])
راجع: عدة الأصول للشيخ الطوسي (رضوانُ اللهِ
عليه): 1 / 381.
([7])
اختيار معرفة الرجال للكشي (رضوانُ اللهِ عليه) ج2
ص575، فلقد أورد هناك مجموعة روايات في بيان ما
كان منه وجاء فيه.
([8])
التناسخ: هو ما يُصطلحُ عليه اليومَ بالتقمُّص،
وهو عقيدة القائلين بتناسخ الأرواح في الأجساد،
والانتقال من شخص إلى شخص، وما يلقى الإنسانُ من
الرَّاحةِ والتَّعب والدَّعَةِ والنَّصَب
فمُرَتَّبٌ على ما أسلفَهُ من قبل، وهو في بدنٍ
آخر، جزاءً على ذلك.
وهو باطلٌ بالإجماعِ عندنا، قال صدوقُ الطَّائفة
(رضوانُ اللهِ عليه): [والقول بالتناسخ باطل،
ومَنْ دانَ بالتَّناسخ فهو كافر، لأنَّ في
التَّناسخ إبطالَ الجَنَّة والنار]. الاعتقادات في
دين الإماميَّة 64.
وقد أبطلَ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) عقيدةَ
التناسخِ بكلماتٍ ثلاث، لمَّا سُئلَ عن التناسخ،
فقال: "فَمَنْ نَسَخَ الأوَّل؟". انظر:
اختيار معرفة الرجال للكشي ص18.
([9])
انظر تفصيلَ حالهم في الملل والنحل للشهرستاني ج1
ص179.
([10])
ذَكَر ذلك النَّمازي (رحمه الله) في مستدركات علم
رجال الحديث ج7 ص337.
([11])
شرح نهج البلاغة 4/ 77.
([12])
تفسير مجمع البيان 8/ 359.
([13])
من لا يحضره الفقيه 1/ 202.
([14])
سورة ص، الآيات: 30 - 33.
([15])
مفردات غريب القرآن 335.
ومن مصادر العامة: المستدرك على الصَّحيحين ج3
ص342، ومسند أحمد ج2 ص163 وج5 ص197 وج6 ص442،
وغيرها.
فائدة: في العلَّةِ التي من أجلها قال النبيُّ
(صلى لله عليه وآله) هذه المقولة في حقِّ أبي ذر،
فلقد روى الشيخ الصدوق (رضوانُ اللهِ عليه) في علل
الشرائع ج1 ص176، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن
عمرو بن علي البصري، قال: حدثنا عبد السلام بن
محمد بن هارون الهاشمي، قال: حدثنا محمد بن محمد
عقبة الشيباني، قال: حدثنا أبو القاسم الخضر بن
أبان، عن أبي هدبة، عن أنس بن مالك، قال: أتى أبو
ذر يومًا إلى مسجد رسول (صلى لله عليه وآله) فقال:
ما رأيتُ كما رأيتُ البارحة!
قالوا: وما رأيت البارحة؟ قال: رأيت رسول الله
(صلى لله عليه وآله) ببابه، فخرج ليلاً، فأخذ
بِيَد علي بن أبي طالب، وقد خرجا إلى البقيع، فما
زِلت أقفوا أثَرَهما إلى أن أتيا مقابرَ مكَّة.
فَعَدَل إلى قبر أبيه، فصَلَّى عنده ركعتين، فإذا
بالقبر قد انشقَّ، وإذا بعبد الله جالسٌ، وهو
يقول: "أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا
عبدُهُ ورسولُهُ".
فقال له: "من وليُّك يا أبة"؟
فقال: "وما الوليُّ يا بُنَي"؟ قال: "هو هذا علي".
قال: "وأنَّ عليًَّا وليي".
قال: "فارجع إلى روضتك"، ثم عَدَلَ إلى قبر
أمِّهِ، فصنع كما صنع عند قبر أبيه، فإذا بالقبر
قد انشقَّ، فإذا هي تقول: "أشهدُ أن لا إله إلا
الله، وأنَّك نبيُّ الله ورسولُهُ".
فقال لها: "من وليُّكِ يا أمَّاه"؟
فقالت: "ومن الوليُّ يا بُنَيَّ"؟ فقال: "هو هذا
علي بن أبي طالب".
فقالت: "وأنَّ عليًَّا وليِّي".
فقال: "ارجعي إلى حفرتك وروضتك".
فكذَّبوه ولبَّبوه، وقالوا: يا رسول الله! كذب
عليك اليومَ!!
فقال: "وما كان من ذلك"؟
قال: إنَّ جُندبَ حَكَى عنكَ كَيتَ وكَيت.
فقال النبي (صلى لله عليه وآله): "ما أظلَّت
الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء على ذي لَهجةٍ أصدق
من أبي ذر".
قال عبد السلام بن محمد: فعرضت هذا الخبر على
الهجني محمد بن عبد الأعلى، فقال: أما علمتَ أنَّ
النبيَّ (صلى لله عليه وآله) قال: "أتاني جبرئيل
فقال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ حرَّمَ النَّارَ على
ظَهْرٍ أنزلك، وبطْنٍ حملَكَ، وثديٍ أرضَعَك،
وحِجْرٍ كفِلَكَ"؟.
([18])
انظر: أمالي المفيد ص164، والمسترشد للطبري ص177،
ومروج الذهب 2/ 340 وغيرهم.
([20])
تاريخ الطبري ج1 ص44.
([24])
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج14 ص357؛ وراجع:
الكشف والبيان للثعلبي ج8 ص115، ورواهُ الطبري
بإسنادٍ صحيحٍ -كما نصَّ على ذلك الزيعلي في تخريج
الأحاديث والآثار ج3 ص157- لكن أسقطَ منه [ما ترك
يهوديَّته]!! جامع البيان ج22 ص173.
|