السنة الثانية عشرة / العدد التاسع والعشرون / كانون ثاني  2017م / ربيع ثاني  1438هـ

       رجوع     أرشيف المجلة     الرئيسية

 

شيخنا الأستاذ

حجة الإسلام آية الله الشيخ مفيد الفقيه (قدس سره)

بقلم : الشيخ يوسف الشيخ محمد تقي الفقيه

 

ولادته ونشأته

الشيخ مفيد ابن الشيخ علي الفقيه ابن الشيخ يوسف بن علي بن (أبي إبراهيم) محمد عبد الله بنْ عبد الله بنْ علي الفقيه العاملي الحاريصي، ويرجع أصل آل الفقيه إلى (العوادل) وهم فخذ من أفخاذ قبيلة شمر([1]).

نشأ شيخنا في بيت علمي كريم، فجدّه: المغفور له الشيخ يوسف من العلماء الأفذاذ، كان له شهرة واسعة في العلم والفضل، وكان له مواقف عادت على الطائفة الشيعية وأبنائها بالخير، من جملتها اهتمامه بجعل المذهب الجعفري مذهبًا رسميًا في لبنان ونجاحه في ذلك.

ووالده: حجة الإسلام المغفور له المقدّس الشيخ علي الفقيه، أحد علماء جبل عامل البارزين، كان له مكانة علمية ودينية، وشهرة واسعة بين الناس وفي البلاد.

وعمه الذي نشأ في كنفه وتربى على يديه هو المرجع الديني المقدس الشيخ محمد تقي الفقيه.

ولد شيخنا سنة 1355 هجرية الموافق لسنة 1937 ميلادية، في النجف الأشرف، وبعد أقل من سنة على ولادته، عاد والده المغفور له الشيخ علي إلى لبنان وصحب معه جميع عائلته، تاركًا النجف، بعدما أقام فيها -طلبًا للعلم- نحوًا من اثنتي عشرة سنة.

فنشأ شيخنا في حاريص والتحق بمدرستها العصرية الابتدائية، ثم انتقل إلى مدارس الجعفرية في صور التي أنشأها المغفور له السيد عبد الحسين شرف الدين، حيث تابع الدراسة إلى سنة 1952، حيث تَقَرّر الرحيل إلى النجف الأشرف.

 

الهجرة إلى النجف الأشرف

في سنة 1952م سافر إلى النجف الأشرف، فعرّج إلى بيروت لوداع جدّه المغفور له الشيخ يوسف، يقول شيخنا:

(لما أردنا التحرك والشروع في السفر، استوقفني جدي الشيخ يوسف (قدس سره) ووضع يده على كتفي وتوجّه إلى الله سبحانه بكلمات في سرّه، ولا أحسبه إلا تقرّب إلى الله بإرسالي للنجف، وكان لذلك في نفسي كل الأثر، حيث إنه (قدس سره) كان عزم -إن استطاع- أن يرسل كل أولاده وأحفاده إلى النجف الأشرف لطلب العلم، خدمةً للعلم الشريف).

تولى رعايته في النجف الأشرف عمه المغفور له الشيخ محمد تقي الفقيه (قدس سره)، وأقام في داره إلى سنة 1957م، ففي هذه السنة تزوج من كريمة عمّه الشيخ.

قلة الطلاب العامليين في النجف قبيل هجرته

كان عدد العامليين عند وصوله النجف في تزايد وكثرة، سبق ذلك ظرف عصيب قلّ فيه العامليّون في النجف، فكانوا يشكون من ذلك ومن حاجة بلادنا لأهل العلم.

يقول الشيخ محمد تقي الفقيه في كتابه حجر وطين المخطوط في ترجمة الشيخ زين العابدين شمس الدين: (وقل عدد العامليين في النجف حتى أصبح نحوًا من عشرين طالبًا، وكانوا كلهم يحضرون دروس الخارج)، أحدهم هو، والسيد حسين مكي، والسيد هاشم معروف الحسني، والسيد عبد الرؤوف فضل الله، والشيخ حسين معتوق، والشيخ سليمان سليمان، والشيخ إبراهيم سليمان، والشيخ رضا فرحات، والشيخ بشير حمود، والشيخ خليل ياسين، والشيخ زين الدين شمس الدين، وغيرهم.

ومعظمهم ممن نال المراتب العالية في الفضل والكمال، إلا أن أكثرهم ترك النجف في وقت مبكر، لحاجة بلادنا إليهم من جهة، ولاشتداد المحنة عليهم بسبب الظروف التي رافقت الحرب العالمية الثانية وما رافقها من غلاء وفقر، حيث كان اعتمادهم على الفُتات الذي كان يصلهم من بلادنا مع انقطاع ذلك بسبب تلك الحرب.

وقد كان لوجهاء العامليين من العلماء، المقيمين في النجف الأشرف، مساعٍ لتشجيع العامليين على الهجرة إليها، وربما كان ذلك في سنة 1363هـ، فاجتمعوا وكتبوا إلى السيد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) أيام مرجعيته، يطلبون إليه أن يجعل للعامليين رواتب حتى لا يضطروا إلى ترك النجف من الجوع والفقر، ولكي يُقبِل أهل بلادنا على طلب العلم، فأجابهم بقوله: (وبالجملة.. جوزوا عن هذا التكليف فإنه تكليف بالمحال!!)، لعدم قدرته على ذلك، بل كان أقصى ما يتمكن منه هو تأمين الخبز للطلبة، ويُعرف عنه رحمه الله أنه كان في بعض الشهور يستدين ويرهن بيته لهذه الغاية، وقيل إنه توفي وعليه دين سبعة عشر ألف دينار.

* * *

كان شيخنا (قدس سره) يقول:

(كان عمي الشيخ محمد تقي (قدس سره) يقول: نحن مثل الدول، يلزمنا وزارة للتربية تقرّر المناهج للطلبة، فالطالب الذي تخرّج من المدارس العصرية بنجاح ونال الشهادة الأولى أو الشهادة المتوسطة، واعتاد على دراسة مواد متعددة في النهار الواحد، واعتاد دراسة المواد المعقّدة كالرياضيات والفيزياء أو الكيمياء بالإضافة إلى غيرها من المواد، سيكون من السهل عليه دراسة "ألفية ابن الناظم" و"حاشية ملا عبد الله" و"المطول" و"كفاية الأصول"، ولو ألزمناه بدراسة مثل "الأجرومية" وما شاكلها من المقدمات، أو أعطيناه درسًا واحدًا أو اثنين في اليوم، لكان جريمة بحقّ ذلك الطالب، وتضييعًا لمستقبله، لأنه سيرى ذلك هيّنًا عليه فيعتاد على الكسل وتضعُف همّته، فيخسر هذا الطالب نفسه، ونكون قد خسرناه أيضًا).

وكان يقول (قدس سره) أيضا:

(وعلى هذا الأساس شرعت بدراسة الألفية دون الكتب التي تسبقها، فلم أقرأ الأجرومية أو قطر الندى، وشرعت بدراسة الألفية عند عمي الشيخ، وقرأت شطرًا منها على السيد مهدي الحكيم (رحمه الله) نجل آية الله السيد محسن الحكيم الذي كان متوجّها للدرس والتدريس في أول الأمر، ثم انصرف إلى شؤون المرجعية).

* * *

أساتذته

- آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه:

شرع عنده بدراسة جلّ الكتب الدراسية، التي منها الألفية والحاشية، والمطوّل.

وحدثنا شيخنا (قدس سره):

أنه عندما فرغ من الألفية والحاشية، أراد عمّه الشيخ (قدس سره) أن يشرع له في "المطول" فعارضه جماعة من العامليين، لأن "المطوَّل" من الكتب التي يعسر على المبتدئ هضمها عادةً، لكنه (قدس سره) اختار له أن يقرأها لما فيها من الفوائد المهمّة، ولأنها ممهّدة لغيرها من الكتب الأصولية، فقرأ منها علم المعاني فقط.

يقول شيخنا: (فلما قرأنا "المعالم" و"الكفاية" بعد المطوَّل، وجدناهما سهلَين لأننا تدرّبنا على النقاش العلمي من المطوَّل)!

وشرع عنده أيضًا بدراسة الجزء الأول من الكفاية، ورسائل الشيخ الأعظم إلى مبحث الاستصحاب، ومقدارٍ من مكاسب الشيخ الأعظم، وكذلك سائر الكتب الدراسية، حيث اعتاد أن يشرع لهم بها ثم يكملونها عند أستاذ آخر.

- الشيخ علي الحلي سماكة: أتم عليه دراسة الجزء الأول من الكفاية.

- السيد إسماعيل الصدر: حضر عنده مبحث الاستصحاب من رسائل الشيخ الأعظم.

- الشيخ علي الحلي: حضر عنده مكاسب الشيخ الأعظم.

- الشهيد السيد محمد باقر الصدر:

حدثنا شيخنا: أن عمه الشيخ أشار عليه -قبل أن يُنهي الكفاية- أن يختار أستاذًا لنفسه، لانشغاله بالتبليغ في "قلعة سكَر" ونواحيها ثلاثة أشهر في السنة، قال:

(فالتقيت بالسيد محمد باقر الصدر ولم أكن أعرفه بعد، وطلبت منه درسًا فاعتذر بعدم سعة الوقت، فشرعت في الجزء الثاني من الكفاية عند السيد يوسف الحكيم، وحضر معي هذا الدرس السيد علي مكي والشيخ عبد الكريم الفقيه، لكنه أيضًا كان مبتلى بشؤون المرجعية فلم يتم لنا ما أردناه).

يقول:

(ثم صادف أن أخبرنا السيد باقر الحكيم أن السيد محمد باقر الصدر يُباحث في الجزء الثاني من الكفاية، ورجّح لنا ترك درس السيد يوسف وحضور درسه... فحضرنا درسه للتجربة فأعجبنا به فانتقلنا إليه.

وكان يباحث في الاستصحاب، فيشرع في مطلب الكفاية من دون أن يفتح الكتاب خلافاً للمتعارف، فيلقيه علينا غيبًا ويبيّنه فلا يفوته منه شيء، ولا يحتاج إلى مراجعة الكتاب وإن اتفق له ذلك مرة، فأعود إلى البيت وأكتب الدرس تفصيلاً لأن أداءه في الدرس لا يُعلى عليه توضيحًا إلا درس السيد الخوئي، فإذا انتهيت من الكتابة أفتح الكفاية فإذا المطلب بتمامه لم ينقص منه شيء.

أنهينا الجزء الثاني ابتداء من مبحث الاستصحاب إلى آخر الكفاية.

ثم بدأ يباحث الأصول اللفظية بالنحو المسمى (خارج)، وكان ذلك حوالي سنة 1380هـ، فحضرناها عليه من أولها إلى آخرها لم يَفُتني منها شيء لأني لم أتغيب عن درسه يومًا أبدًا، وكان السيد الصدر (رحمه الله) يبتهج لذلك، وكنت أكتب الدرس وأعرضه عليه (رحمه الله) فيعلق عليه، وأحيانا يكتب عبارة (أحسنتم كثيرًا).

ثم حضرت عليه شطرًا من الأصول العملية.

وكنت الوحيد من بين طلاب السيد الصدر الذي كتب الأصول اللفظية، وانفرد أخي الشيخ يوسف رحمه الله بكتابة الأصول العملية كاملة).

وحضر عليه في الفقه أيضًا، وهو يحتفظ بكتابات على مباحث المياه، التي شرع بحضورها على السيد الصدر في أوائل ربيع الثاني سنة 1380هـ.

 

- السيد الحكيم والسيد الخوئي قدس سرهما:

يقول شيخنا:

(توقّفت عن حضور درس السيد الصدر (رحمه الله) أيام الاضطرابات التي ناله (رحمه الله) منها بعد ذلك أذى كبيرٌ انتهت بشهادته رضوان الله عليه. والتحقت بدورة السيد الخوئي الفقهية والأصولية، كان قد بدأ بدورة في الفقه على العروة الوثقى بعد أن أنهى دورة في المكاسب، فحضرت عليه من مباحث المياه، أما الاجتهاد والتقليد فقد كنّا حضرناهما على السيد الخوئي في درس الأصول).

قال:

(في هذا الوقت كنت أحضر بحث سيدنا الأعظم آية الله السيد محسن الحكيم، وكان يباحث في أواخر العروة الوثقى، فحضرت عليه "كتاب الضمان" من أوله إلى آخره، وكان الشروع فيه في 28 ربيع الأول 1381هـ).

وحضر دورة الأصول كاملة على السيد الخوئي (قدس سره)، وكذلك حضر عليه جميع أبحاثه في الفقه على العروة، وبعضًا من مباحثه الأخرى، وكتب جميع ذلك.

 

التبليغ في قلعة سكر ونواحيها

سنة 1962م ترك عمه الشيخ محمد تقي العراق وعاد إلى لبنان بعد غياب أربعين سنة في طلب العلم، قضى شطرًا وافرًا منها في خدمة أستاذه السيد الحكيم، وفي التبليغ في قلعة سكر ونواحيها.

وفي سنة 1963م أرسله عمه الشيخ إلى قلعة سكر لينوب عنه فيها، فسافر إليها وكيلاً عن السيد محسن الحكيم، فأحبه أهلها كثيرًا وأقبلوا عليه يأخذون عنه معالم دينهم، فأقام بينهم وبقي يتردد عليهم إلى حين عودته إلى لبنان سنة 1990م، ورجع إليه أهل تلك المنطقة في أمور دينهم، وحلِّ مشكلاتهم والصلاة وإقامة الشعائر.

وبعد وفاة السيد الحكيم أصبح وكيلاً عن السيد محمود الشاهرودي والسيد الخوئي، وبقي فيها إلى سنة 1990م.

في تلك الفترة، رجع إليه أهل تلك المنطقة المسماة بمنطقة الغراف من نهر دجلة، وقد دخل تلك المنطقة علماء متميزون بالعلم والفضل، فأقام فيها -قبل الشيخ محمد تقي- الشيخ حسن دخيل وهو من مجاهدي ثورة العشرين، وأقام فيها أيضًا السيد علي الجصاني وكيلاً عن السيد أبو الحسن الأصفهاني، ثم بعدهم الشيخ مفيد الفقيه، فكان رواد تلك المنطقة من العلماء المجتهدين المؤهلين للفتيا وفض الخصومات، لا مجرد وكلاء.

أسفاره

سافر إلى أفريقيا سنة 1969م لمدة شهر تقريبًا، كانت المحطة الأولى سيراليون، ثم زار بعض البلدان المجاورة، عقدت خلالها جلسات وعظ وإرشاد.

سافر إلى الحج سنة 1391هـ الموافق سنة 1970م.

وقام برحلة ثانية إلى مكة المكرمة برفقة والده وعمه، المقدسَين الشيخ علي والشيخ محمد تقي، وذلك في سنة 1392هـ الموافق لشهر كانون الثاني سنة 1973م.

 

عودته إلى لبنان وتأسيس جامعة النجف الأشرف

كانت فكرة إنشاء جامعة دينية في جبل عامل تراود ذهن والده الشيخ علي الفقيه وعمّه الشيخ محمد تقي الفقيه (قدس سرهما)، وغيرهما من العلماء في زمن السيد محسن الحكيم، لِما كانوا يتوقعونه من مصير حوزة النجف بعد سنة 1958م.

ففي سنة 1955م تقريبًا سعى والده للقيام بهذا المشروع وبذل غاية الجهد لإتمامه، ونال تأييد العلماء وخصوصًا المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم، ولكن المشروع لم يتم.

وشاء الله سبحانه أن تكون ولادة المشروع على يد نجله الحجة الشيخ مفيد.

ففي سنة 1411هـ الموافق لسنة 1990م حضر إلى لبنان عقيب وفاة والده الشيخ علي الفقيه، ولم يتمكن من العودة إلى النجف الأشرف نتيجة الفوضى التي حصلت في أواخر أيام السيد الخوئي (قدس سره)، وفي خضم تلك الأحداث فقدَ ولديه (الشيخ مهدي والشيخ هادي)، وصهره -وهو ابن أخته- (الشيخ صادق ابن الشيخ محمد رضا الفقيه)، وللآن لم يُعرف شيء عن مصيرهم ومصير إخوانهم اللبنانيين الذين فقدوا معهم، فيئس من الرجوع إلى النجف.

وفي لبنان توجهت إليه الأنظار فوطد العزم على مباشرة تأسيس حوزة دينية.

فأنشأها أول الأمر في محل سكنه الفعلي في منطقة صور - الحوش في جنوب لبنان، وسماها (جامعة النجف الشرف للعلوم الدينية).

وكان نمو هذه الحوزة في لبنان سريعًا بروّادها، وبشمولها لجميع الدروس الحوزوية، من المقدمات والسطوح ودرس الخارج، وقد ارتادها الذين بلغوا مراحل علمية لا بأس بها من طلبة الحوزات الأخرى في لبنان، وممن عادوا من حوزة قم المقدسة.

وقد استمر نمو الحوزة، فبلغ عدد طلابها وأساتذتها ما يقارب السبعين طالبًا وأستاذًا، فاقتضى ذلك بناء حوزة متكاملة، فأوقف لها بناء مؤلفًا من خمس طوابق في بلدته حاريص -باعتبارها منطقة متوسطة بين مدن وقرى الجنوب- على نفقة المحسن الكريم الحاج سعيد علي أحمد وأولاده.

فكانت ولادة هذه الحوزة المباركة ثمرة جهود ومساعٍ حثيثة، مهّد لها العَلَمان الشيخ علي الفقيه والشيخ محمد تقي الفقيه، حيث جاهدا بكل صبر وبذلا كل وُسع في سبيل تحقيقها، فاهتما (قدس سرهما)، معًا تارة، ومنفردين أخرى، بإنشاء معهد علمي ديني في جبل عامل يُعنى بتعليم كل من العلمين الديني والعصري حسب الاصطلاح، بترتيب وامتحان، وتكون المدرسة تحت إشراف العلماء وأهل الدين.

ولئن لم يتسنَّ لهما بناء حوزة للتدريس على النحو المتعارف، لعدم توفر الإمكانات المادية، وللظروف العصيبة التي مرّت بها البلاد، إلا أنهما استطاعا تحقيق بعض أهدافهما، كتأسيس أو تعزيز هذه الفكرة لدى العلماء والمؤمنين الذين طالما رغبوا بمثل ذلك، ولعل هذا السعي المبارك، هو الذي عزز فكرة إنشاء مشاريع مماثلة بعد ذلك.

بل كان لدى الكثير من العلماء في ذلك الوقت توجهٌ إلى تنشيط الحركة العلمية في لبنان، وقد كثر حديثهم عنها وإظهار رغبتهم بهذا الأمر، وقد كان الشيخ محمد تقي (قدس سره) يحدّثنا أن السيد محسن الحكيم (قدس سره) كان يرى أن الحوزة الدينية سيكون لها شأن في جبل عامل.

وقد كان الشيخ محمد تقي الفقيه يباحث فعلاً دروس الخارج في منزله في بيروت، ثم اتخذ دارًا فيها لهذه الغاية، ثم انتقل إلى حاريص ثم إلى صور، وبقي مستمرًا بالتدريس إلى آخر أيام عمره الشريف.

ولعل أهم ما أنتجه هذا السعي المبارك، "جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية" القائمة فعلاً في حاريص التي أسسها الحجة الشيخ مفيد حفظه الله، وقد أشار حفظه الله في وقفية الجامعة إلى رغبة والده في إنشائها وتأييد العلماء.

وقد كان لسماحة آية الله السيد علي السيد حسين مكي حفظه الله اليد الطولى، والمساعدة البنّاءة في وضع نواة هذه الحوزة منذ تأسيسها في (صور)، وكذلك بعد أن صارت الحوزة المركزية في (حاريص)، والتي تمَّ إنشاؤها على نفقة ابن عمتنا المحسن الكريم الحاج سعيد علي أحمد وأولاده.

 وفاته

كان (قدس سره) قد ابتلي سنة 1990م بفقد ولدَين من أولاده، بالإضافة إلى صهره على كريمته، الذين اعتقلهم الحكم الظالم في العراق عُنوةً مع ثلّة من العامليين، حتى انقطعت أخبارهم.. وبُذِلت جهود كبيرة لمعرفة مصيرهم، لكن الحكم الظالم في العراق لم يقدّم أيّ بصيص أمل على وجودهم فضلاً عن حياتهم.. وقد تلقّى الشيخ (قدس سره) كل ذلك بالصبر، مسلِّما أمره إلى الله تعالى، محتسبًا، متأسيًا بآل البيت (عليهم السلام)، ومتمسكًا -مع ذلك- بالأمل في العثور عليهم، واستمرّ في العطاء والعمل، فأكمل اشتغاله بالعلم، وبقيت حلقات درسه عامرة، بروح عالية في العطاء مع حيوية ونشاط، مع أنه كان قد ذَرَّفَ على السبعين.. فمر عقدان من الزمن، اختزن قلبه خلالها مرارةً أضعفت بدنه، إلى أن ابتلي بمرض أنهك بدنه الضعيف، عانى منه سنواتٍ، أسلم بعدها روحه إلى باريها، فوفد على ربه نهار الأحد، الواقع فيه 3 نيسان سنة 2016م، الموافق 25 جمادى الثانية 1437هـ.

وتوافد المعزّون من كل حدب وصوب، حُزنًا على فقد ركن من أركان عاملة، وخسارة علَمٍ من كبار أعلامها، حيث إنه (قدس سره) كان قد ملأ الفراغ الذي خلفه خسارة جبل عامل للجيل السابق عليه من كبار العلماء..

وفي لبنان أقيم له تشييع حاشد، ففي حاريص أَمَّ الصلاة عليه سماحة آية الله السيد محمد علي الأمين، في لفيف من العلماء وحشد من المؤمنين.. ثم كان له تشييع آخر من بلدته إلى بيروت، وفي بيروت أيضًا أَمَّ الصلاة عليه سماحة آية الله السيد علي مكي، ثم نُقِلت الجنازة جوًا إلى النجف الأشرف، إلى جوار مَن تشرّفت تلك الأرض به، أمير المؤمنين (عليه السلام)، تلك الأرض الطاهرة التي عاش فيها جلّ عمره، وكان تفتُّحُ روحه وعقله بجواره (عليه السلام)، مكتسبًا خلال تلك المدة الطويلة العلوم والمعارف والتخلّق بأخلاق آل البيت (عليهم السلام).. لذلك كان قد اتخذ لنفسه قبرًا في "وادي السلام" في مقبرة ابن عمته المرحوم الحاج علي شعبان -والتي تبرع بها بعض أولاده وجعلها وقفًا لهم ولآل الفقيه خصوصًا-، فأوصى أن يُدفَن فيه إلى جنب والده المقدس آية الله الشيخ علي الفقيه، وعمه المقدس آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه، رحمهم الله تعالى...

وصل جثمانه الشريف إلى النجف الأشرف يوم الثلاثاء 5 نيسان 2016م، وطيف به على مراقد الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، ثم توافد العلماء والمؤمنون لتقديم العزاء.. وفي اليوم التالي -الأربعاء 6 نيسان-، أقام الصلاة عليه آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله)، وشيَّعَه جمع غفير من المؤمنين والعلماء إلى مثواه الأخير..

وختامًا نسأل الله سبحانه أن يتغمّده بواسع رحمته، ويكتبه عنده في عليين، ويجعله في مصافّ العلماء العاملين ممن سبقوه، ويحشره مع محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، ويجمع بينه وبينهم صلوات الله عليهم في دار خلده في جنته، وأن يوفقنا وسائر إخواننا لأن نكون خير خلف لخير سلف، إنه سميع مجيب.

***
مؤلفاته

لسماحة الشيخ (قدس سره) كتابات في العقائد والأصول وجل أبواب الفقه، وقد التزم بعد تأسيس الحوزة الدينية في لبنان بطباعة ما يباحثه في الفقه، فطبع من الكتب ما يلي:

1- كتاب المواريث وكتاب الوصايا:

كتابان في مجلد واحد:

- كتاب المواريث كتبه أوائل سنة 1392هـ.

- وأما كتاب الوصايا فكتبه تقريرًا لأبحاث السيد الخوئي (قدس سره) سنة 1403هـ، وطبعا سنة 1414هـ/1993م.

2- كتاب الطلاق (على متن الشرائع):

فرغ من كتابته سنة 1396هـ/1976م في النجف الأشرف، وطبع سنة 1415هـ/1994م. وهو أول المباحث الفقهية التي باشر بتدريسها في لبنان في (جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية).

3- المكاسب من كتاب التجارة:

فرغ من كتابته سنة 1400هـ في النجف الأشرف، وطبع سنة 1414هـ/ 1994م.

4 و5- كتاب النكاح (على متن العروة الوثقى):

يقع في جزئين: كتب الجزئين سنة 1973م في النجف الأشرف، ولكن الجزء الأول تعرض للضياع وفُقد، فأعاد كتابته سنة 1418هـ/1997م.

وطبع الجزء الأول سنة 1419هـ/1999م.

وطبع الجزء الثاني قبل الجزء الأول سنة 1415هـ/1994م.

6- الخيارات من كتاب التجارة:

أنجزه سنة 1415هـ/1995م، وطبع بعد ذلك بأشهر يسيرة.

7- العقل في أصول الدين:

طبع سنة 1412هـ/1992م.

8- مباحث القبلة والستر والساتر (على متن العروة الوثقى):

تقريرًا لأبحاث السيد الخوئي، طبع سنة 2002م-1422هـ.

وهذان الكتابان كانا -حتى تاريخ طباعتهما- مفقودَين في سلسة التقريرات المطبوعة للسيد الخوئي (قدس سره).

9- قواعد فقهية:

كتاب يشتمل على مهمات القواعد الفقهية، طبع سنة 2003-1424هـ.

10- ولاية الفقيه في مذهب أهل البيت (عليهم السلام):

وهو يشتمل على عرض استدلالي موضوعي لمهمات المسائل المتعلقة بولاية الفقيه، وقد لاقى ترحيبًا واسعًا، وقد اقتضت المناسبة العلمية تضمينه جملة من مسائل كتاب القضاء. طبع سنة 2005-1425هـ.

كتبه المخطوطة

- كتاب القضاء وأحكام الدعاوى والشهادات:

انتهى من تدريسه وكتابته في الحوزة الدينية جامعة النجف الأشرف سنة 1422هـ/2001م. ولم يطبع، إلا أن شيخنا أدرج بعض مسائله في طي كتابه [ولاية الفقيه] كما أشرنا.

- العقل في فروع الدين:

وهو عرض وافر -على طريقة الأصوليين- لجملة من المسائل الأصولية التي للعقل دخالة فيها.

- هذا بالإضافة إلى كتب كثيرة في جلّ أبواب الفقه الشريف، لا تزال مخطوطة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) انظر: حجر وطين، تأليف الشيخ محمد تقي الفقيه، ج4، ترجمة الشيخ يوسف الحاريصي (قدس سره).

 

أعلى الصفحة     محتويات العدد التاسع والعشرون