العدد التاسع / 2007م  / 1428هـ

     رجوع     محتويات العدد     أرشيف المجلة     الرئيسية

.

تتمة مقال = أضواء خاطفة على طبيعة الخط العربي

 

المسار التاريخي للخط

لا بد في هذه العجالة أن نسلّط الضوء ولو بشكل سريع على نشوء الخطّ وأماكن انتشاره وأنواعه، وتجدر الإشارة إلى أن هناك روايات تشير إلى أن الخطّ العربي كان معروفًا قبل الإسلام عند المناذرة واللخميين بالحيرة، وعند الغساسنة بتخوم الشام، وكذلك عند القرشيين بمكة[13]، والأوس والخزرج واليهود بالمدينة [14]، والبحث في المراحل التاريخية لتطّور الخطّ ليس أمرًا هيّنًا، وذلك لندرة النقوش العربية قبل عصر النبوة[15]

 الخطّ من الناحية التاريخية

مرّت الكتابة بمراحل رئيسة خمس:

1 - مرحلة الصورة ، وقد تمثّلت في أربعة أنواع من الخطوط: الهروغليفية (مصر) ، الحثيّة (بلاد الشام) ، الصيني (الآشوري الذي تحوّل إلى الخطّ المسماري).

2 - مرحلة الرمز، باستنباط صورة ترمز إلى معنى ما.

3 - مرحلة المقطع، وتمثّلت بالانتقال من الرسم إلى اللغة.

4 - مرحلة الصوت، حيث انفصل المقطع إلى حرفين.

5 - المرحلة الهجائية.

من أين جاء الحرف العربي

اختلف العلماء في أصل الحرف العربي اختلافات شتّى، والأرجح رجوع الفضل في انتقال الكتابات القديمة إلى مرحلة الحرف، للدولة الفينيقية، ثم تفرّعت الحروف الفينيقية إلى أربعة فروع: الآرامية - اليونانية - الحِميَرية - العبرية.

ثم تفرّع الآرامي إلى ستة فروع: التَّدمُري - الهندي - الفارسي - الفهلوي - العبري المربع - والسرياني.

ثم نشأ من الخط السرياني خطان،  وهما: الخط الحِميَري والخط النبطي.

ثم تفرّع الخط النبطي إلى الخط العربي.

وهكذا أخذ العرب خطّهم عن الأنباط، والأنباط عرب كانوا يسكنون شمالي الجزيرة العربية (في فلسطين والأردن) وكانت عاصمتهم البتراء[16].

لكن هناك رأيًا يميل إلى الأصل السرياني للخطّ، إلا أن الخط العربي لم يتأثّر أو  يُقتطع من الخطّ السرياني على ما فيهما من فروق أو تشابه[17].

عرف العرب في بداية الإسلام نوعين من الخطوط: الحجازي والكوفي.

الحجازي وكان يستعمل في الكتابات اليومية، ويكاد يكون أصلاً للخطّ النسخي.

أما الكوفي فقد ظهر بمنطقة الكوفة، فنسب إليها، وهو أساس الخطوط العربية كلها.

الخطّ في العصر الأموي

أخذ الخط العربي يسمو ويرتقي مع العصر الأموي، وقد تميّز هذا العصر بإصلاحات مهمّة على صعيد الخطّ واللغة، شملت الشكل والإعجام، فوُضعت حركات الإعراب الأولى عام 45 هـ، بعد ما كان الخط العربي خاليًا من الشكل لعدم حاجة العرب إلى الضوابط الشكلية، وذلك عن طريق أبي الأسود الدؤلي - الذي وضع  القواعد الأساسية للنحو العربي بتكليف من الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)- واستكملت أشكالها الحاليّة على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي.

ثم وضع الإعجام عام 80 هـ بعدما كانت الحروف خالية من التنقيط مما كان يؤدي إلى التصحيف أحيانًا.

شجّع الخلفاء الأمويون الخطّاطين وقرّبوهم، حتى ظهر منهم خطاطون كبار، مثل الخطّاط قطبة المحرّر الذي استنبط من الخطّين الحجازي والكوفي نوعًا جديدًا هو الخط (الجليل)، ثم خطّ (الطومار)، واخترع قطبة خط الثلث والثلثين.

الخطّ في العصر العباسي

اشتهر في أوائل العصر العباسي في العراق رجلان ، وانتهت إليهما الرئاسة في جودة الخط، وهما : الضحاك بن عجلان وإسحاق بن حماد، وفي عهدهما بلغت الخطوط العربية أحد عشر نوعًا.

ظهر في هذا العصر عدد كبير من الخطّاطين، إلا أن جودة الخط انتهت إلى عميد الخطّ في الكتابة العربية، الوزير أبي علي بن محمد بن مقلة، وهو أول من قرّر للخطّ معايير يُضبط بها، وأصبح مضرب المثل في الخطّ الحسن، وقد قيل لأحدهم: ما تقول في خطّ ابن مقلة ؟ قال: ذاك نبيّ فيه، أُفرغ الخطّ في يده، كما أُوحيَ إلى النحل في تسديس بيوته.

ثم اشتهر في العراق رئيس الخطّاطين علي بن هلال المعروف بابن البواب وهو الذي أكمل قواعد الخطّ وهندسته.

ثم جاء ياقوت المستعصمي الذي فاق الأولين، وكان ذلك في آخر عهد العباسيين، وقد بلغت أنواع الخطّ في هذا العصر ثمانين نوعًا.

 ثم تلاشت تلك الخطوط ولم يبقَ منها سوى الأنواع التي وصلت إلينا مما خلّفه مَهَرة الكتّاب واحتفظت به المتاحف.

وفي عهد الدولة الفاطمية عني الفاطميون بالخطّ عناية كبيرة، حتى نافسوا العباسيين في بغداد.

العصر الذهبي للخطّ في عهد الأتراك

بعد زوال دولة المماليك بمصر، آلت الخلافة إلى الدولة العثمانية، وقد ورث العثمانيون بقايا التمدّن الإسلامي فاعتنوا بالخطّ اعتناءً منقطع النظير، حيث استقدموا من بلاد إيران عددًا من أعلام الخطّ وتعلَّموا على أيديهم خط النسخ وخطّ الثلث، فأتقنوهما إتقانًا لا مزيد عليه وبلغوا بهما ذروة الفن، حتى أصبحت استانبول كعبةَ فنّ الخطّ بلا منازع.

أما الخطوط التي بقيت في العصر الحاضر فهي سبعة:

الكوفي - النسخ - الثلث - نستعليق "الفارسي"[1] - الديواني "الهمايوني" - والجلي الإجازة - الرقعة، بالإضافة إلى خط الطغراء الذي يعتبر خطًا زخرفيًا تقتصر كتابته على التواقيع والعناوين.

وسنحاول أن نقدّم نماذج خطية لهذه الأنواع بالقلم العادي، ثم نتبعها بنماذج خطية نموذجيّة.

نماذج من الخط


الهوامش

[13] - د. صلاح الدين المنجد، دراسات في تاريخ الخط العربي، منذ بدايته إلى نهاية العصر الأموي، دار الكتاب الجديد، 1972م، ص23.

[14] - عبد العزيز الدالي، الخطاطة الكتابية العربية، مكتبة الخانجي، مصر، 1400هـ، ص3.

[15] - د. محمد يوسف صديق، الخط العربي وأثره الحضاري، مجلة الجامعة الإسلامية، تصدر عن الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية، لندن، عدد 2، 1994م، ص175.

[16] - معروف زريق، كيف نعلّم الخط العربي، ص23.

[17] - الدكتور المنجد، ص 12.

[1] - نستعليق : كلمة مركبة من كلمتين ، هما: (نسخ ) و(تعليق).

 

أعلى الصفحة     محتويات العدد التاسع