العدد الثاني / 2005م  /1426هـ

     رجوع     محتويات العدد     أرشيف المجلة     الرئيسية

.

تتمة مقال = المرجعية الدينية ... والعملية السياسية في العراق

* المحور الثاني:الانتخابات رؤية ومشروع بنيوي وتأسيسي

في أواخر شهر حزيران 2003 أي بعد حوالى الشهرين من سقوط النظام البائد، قرّرت الإدارة الأمريكية تشكيل مجلس معين لكتابة دستور العراق، فتوجه جمع من المؤمنين باستفتاء لسماحة السيد السيستاني دام ظله، بما نصه:

« السؤال:

أعلنت سلطات الاحتلال في العراق أنها قرّرت تشكيل مجلس لكتابة الدستور العراقي القادم، وأنها ستعين أعضاء هذا المجلس بالمشاورة مع الجهات السياسية والاجتماعية في البلد، ثم تطرح الدستور الذي يقرّه المجلس للتصويت عليه في استفتاء شعبي عام.

نرجو التفضل ببيان الموقف الشرعي من هذا المشروع وما يجب على المؤمنين أن يقوموا به في قضية إعداد الدستور العراقي.

الجواب:

إن تلك السلطات لا تتمتع بأية صلاحية في تعيين أعضاء مجلس كتابة الدستور، كما لا ضمان أن يضع هذا المجلس دستورًا يطابق المصالح العليا للشعب العراقي ويعبّر عن هويته الوطنية التي من ركائزها الأساس الدين الإسلامي الحنيف والقيم الاجتماعية النبيلة، فالمشروع المذكور غير مقبول من أساسه، ولا بد أولاً من إجراء انتخابات عامة لكي يختار كل عراقي مؤهل للانتخاب من يمثّله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يجري التصويت العام على الدستور الذي يقرّه هذا المجلس، وعلى المؤمنين كافة المطالبة بتحقيق هذا الأمر المهم والمساهمة في إنجازه على أحسن وجه، أخذ الله تبارك وتعالى بأيدي الجميع إلى ما فيه الخير والصلاح.

علي الحسيني السيستاني 25/ربيع2/1424»(12)

لقد أثارت هذه الفتوى جدلاً واسعًا في الأوساط العراقية، ويمكننا القول أنها طرحت أول نقاش فكري حضاري واسع النطاق بعد سقوط النظام شهدته جامعات العراق ومنتدياته الثقافية والسياسية والإعلامية، ففي الوقت الذي رفضت الإدارة المدنية الأمريكية في العراق مشروع الانتخابات، وأصرّت على السير في مشروعها الرامي إلى تعيين أعضاء المجلس الدستوري، كانت فتوى المرجعية الدينية قد تحولت إلى مشروع نهضوي يحلم به العراقيون، ويرونه الخطوة الأولى لإنهاء حالة الاحتلال، ورغم الضغوط التي مورست على المرجعية لتغيير رأيها فهي لم تكن « ترى بديلاً عن إجراء انتخابات عامة لاختيار أعضاء المؤتمر الدستوري»(13)، وطُرحت بدائل عقيمة، ولكن المرجعية أجابت أنه: «في وضع العراق الحالي لا توجد أية جهة يمكنها أن تقوم باختيار أعضاء مجلس كتابة الدستور بصورة مقبولة من الجميع بحيث يتمثل في المجلس المشكل جميع شرائح المجتمع العراقي تمثيلاً عادلاً، بل إن من المؤكد أن المصالح الشخصية والفئوية والعرقية والحسابات الحزبية والطائفية ستتدخل بصورة أو بأخرى في عملية الاختيار، ويكون المجلس المشكل فاقدًا للشرعية، ولا يجدي عندئذ إجراء الاستفتاء على ما يضعه من الدستور بـ(نعم) أو (لا)، فلا بديل عن إجراء انتخابات عامة لاختيار أعضاء المؤتمر الدستوري»(14).

وخلال فترة أربعة أشهر تلت الفتوى، بلغ الجدال داخل أروقة مجلس الحكم أوجّه، ولم يكن يتوقع الحاكم المدني للعراق (بول بريمر) أن المسألة سوف تصل إلى ما وصلت إليه، فاضطر مرغمًا لتغيير استراتيجيته، وسافر إلى واشنطن ومعه السيد جلال الطالباني رئيس مجلس الحكم الدوري آنذاك، ليعودا باتفاق جديد يؤطّر العملية السياسية، عرف باتفاق 15/11/2003، في محاولة لتخفيف الضغط المرجعي واحتوائه، وهذا الاتفاق يحتوي على خطة جديدة تقوم على أساس التراجع عن تعيين أعضاء المجلس الدستوري، وطرح آلية جديدة معقدة نوعًا ما تعرف بآلية [الكوكس] أو [التجمعات الانتخابية]، كحالة وسط بين التعيين وبين الانتخابات الحرة العامة، وأناطت لمجلس الحكم الانتقالي مهمة كتابة قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية.

ولكن المرجعية الدينية عارضت هذه الخطة وأصرت على آلية الانتخابات وقالت في اعتراضها:

«إن الآلية الواردة فيها لانتخاب أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي لا تضمن تشكيل مجلس يمثل الشعب العراقي تمثيلاً حقيقيًا، فلا بد من استبدالها بآلية أخرى تضمن ذلك وهي الانتخابات، ليكون المجلس منبثقًا عن إرادة العراقيين ويمثلّهم بصورة عادلة، ويكون بمنأى عن أيّ طعن في شرعيته، ولعلّ بالإمكان إجراء الانتخابات اعتمادًا على البطاقة التموينية مع بعض الضمائم الأخرى»(15).

إن الصراحة والوضوح الذي تعاطت به المرجعية مع هذه الأحداث الخطيرة، لم تدع مجالاً للشك والتأويل في مواقفها، فتعبير (لا بد من استبدالها بآلية أخرى...)، ألهب حماس الجماهير العراقية التي واجهت الرفض الأمريكي لآراء المرجعية، بالنزول إلى الشارع، وفوجئ الجميع بتظاهرة النصف مليون التي قادها السيد علي عبد الحكيم الصافي وكيل سماحة السيد السيستاني دام ظله في مدينة البصرة، وهي تطالب بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وتهدد قوات الاحتلال في حال رفضها الرضوخ لمطالب المرجعية، وسرت العدوى إلى كل محافظات العراق، وبدا المارد الشعبي المتمسك بمرجعيته يقض مضاجع أصحاب القرار، ويجبرهم على إعادة النظر في إصرارهم اللامنطقي في مواجهة الشعب العراقي وخياره في إجراء الانتخابات.

إن الجدل الذي كان يدور في تلك الفترة هو هل يمكن إجراء انتخابات قبل موعد 30/6/2004، الذي حدد في اتفاق 15/11/2003، كموعد لنقل السيادة للعراقيين، أو لا يمكن ذلك؟

واقترحت المرجعية الدينية أن يأتي فريق من خبراء الأمم المتحدة لبحث المسألة وإبداء الرأي فيها، وفيما يلي نص السؤال الموجه والجواب الذي يحتوي على رأي المرجعية الدينية بالموضوع:

«السؤال:

ما هي رؤية سماحة السيد بشأن إجراء الانتخابات لتشكيل المجلس الوطني الذي يفترض أن تنبثق منه الحكومة العراقية الجديدة ذات السيادة، وإذا لم يمكن إجراء الانتخابات فما هي الآلية البديلة الأكثر عدالة في نظر السيد السيستاني؟

الجواب:

إن تقارير الخبراء العراقيين المقدمة إلى سماحة السيد_ دام ظله_ تؤكد إمكان إجراء الانتخابات بدرجة مقبولة من المصداقية والشفافية خلال الأشهر المتبقية إلى التاريخ المقرر لنقل السيادة إلى ممثلي الشعب العراقي، ولكن هناك في مجلس الحكم وسلطة الاحتلال من يدعي عدم إمكان ذلك، ومن هنا كان اقتراح مجيء فريق من خبراء الأمم المتحدة إلى العراق للتحقق من هذا الأمر ودراسة الموضوع من كافة جوانبه، وقد قدّم مجلس الحكم طلبًا بذلك إلى السيد [كوفي عنان] الأمين العام للأمم المتحدة.

وإذا جاء فريق الخبراء وتوصلوا بعد العمل مع نظرائهم العراقيين إلى عدم إمكان إجراء الانتخابات فعليهم التعاون معهم في إيجاد آلية أخرى تكون الأصدق تعبيرًا عن إرادة الشعب العراقي، وأما الآلية المذكورة في اتفاق مجلس الحكم وسلطة الاحتلال فلا تضمن أبدًا تمثيل العراقيين بصورة عادلة في المجلس الوطني الموقت»(16).

إن مشروع السيد السيستاني دام ظله الرامي إلى عودة الأمم المتحدة للعراق بعد مغادرتها التي أعقبت قتل ممثل الأمين العام في بغداد سيرجيو دي ميلو، كانت تواجه برفض شديد من قبل الحاكم المدني (بول بريمر)، خصوصًا وان الأخير كان يطبق سياسة الانفراد الأمريكي بالعملية السياسية الجارية في العراق، وجرت نقاشات ساخنة في أروقة مجلس الحكم بين بريمر من جهة وبين أعضاء في مجلس الحكم كانوا يتبنون وجهة نظر المرجعية الدينية، ومحاضر جلسات مجلس الحكم تشهد بشدة الصراع الذي رافقه هدير المظاهرات الشعبية في أغلب محافظات العراق.

يتبع =

ـــــــــــــــ

(12) أرشيف خاص.

(13) جواب على السؤال الأول من صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، 27 شعبان 1424 .

(14) الجواب على السؤال الثاني من وكالة أنباء اسوشيتد برس الأمريكية في بغداد، 21 شعبان 1424هـ.

(15) في جواب على سؤال موجه من جريدة واشنطن بوست، بتاريخ 3 شوال 1424 هـ، أرشيف خاص.

(16) أسئلة موجهة من شبكة CNN الأمريكية – مكتب بغداد، بتاريخ 5/1/2004، ارشيف خاص.

 

أعلى الصفحة     محتويات العدد الأول     أرشيف المجلة     الرئيسية