العدد الثاني / 2005م  /1426هـ

     رجوع     محتويات العدد     أرشيف المجلة     الرئيسية

.

تتمة مقال = المرجعية الدينية ... والعملية السياسية في العراق

وللحقيقة والتاريخ أقول: إن المرجعية الدينية وجماهيرها المليونية ونزولها إلى الشارع هي التي هزمت المشروع الأمريكي وأجبرته على الموافقة لدعوة الأمم المتحدة للمجيء ثانية إلى العراق.

نعم لقد وافقت الإدارة الأمريكية أخيرًا بالاستعانة بالأمم المتحدة، والرضوخ لمطالب المرجعية الدينية، وجاء السيد الأخضر الإبراهيمي، على رأس وفد تقني، لدراسة الموضوع، وكانت المرجعية قد هيأت فريقًا من الخبراء في شؤون الإحصاء والانتخابات ليتدارس مع الفريق القادم حيثيات الأمور.

بعد عدّة أشهر قضاها الفريق الدولي في دراسة المسألة صدر تقرير من البعثة الدولية لتقصي الحقائق في العراق، وهو يقول بإمكانية إجراء انتخابات حرة ونزيهة في فترة أقصاها 30/1/2005، وبعد صدور التقرير المذكور، أصدرت المرجعية الدينية بيانًا من مكتبها في النجف الأشرف بينت رأيها فيه، بما نصه:

«نشر يوم أمس في مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك التقرير الذي أعدّه فريق المنظمة الدولية لتقصّي الحقائق، الذي زار العراق مؤخرًا، وقد لوحظ اشتمال التقرير على العديد من النقاط التي توافق رؤى المرجعية الدينية التي تم بيانها سابقًا».

فقد أكّد التقرير على أن [إنشاء حكومة مكتملة الأهلية] يتوقف على إجراء [انتخابات وطنية مباشرة]، وأن [فكرة نظام المجمعات] التي بني عليها اتفاق 15/ تشرين الثاني [ليست عملية] و[لا تتمتع بدعم كافٍ من العراقيين] و[ليست بديلاً عن الانتخابات].

كما أوضح التقرير انه [بغضّ النظر عن الآلية التي ستقرر لتشكيل الحكومة الانتقالية في 30 حزيران، فلا بد من فهم أن هذه الحكومة ستكون لمدة قصيرة، ويتعين أن تحلّ محلّها في أسرع وقت ممكن حكومة منتخبة ديمقراطيًا ومكتملة الأهلية]، وفي الوقت الذي قرّر الفريق الدولي أنه [لا يمكن إجراء انتخابات موثوقة بحلول 30 حزيران] أكدّ على إمكانية إجرائها بعد بضعة أشهر من ذلك التاريخ بحلول نهاية عام 2004 أو بعد ذلك بقليل إذا تمّ [الشروع فورًا بالأعمال التحضيرية لها]، وبهذا الصدد أوصى الفريق [بالعمل فورًا على إنشاء هيئة انتخابية عراقية مستقلة بدون مزيد من الإبطاء] للقيام بهذه المهمة.

وقد أشار التقرير إلى العديد من العيوب الخطيرة في اتفاق 15/ تشرين الثاني، ومنها ابتناؤه على [قيام مجلس الحكم بصياغة القانون الأساسي على أساس تشاور وثيق مع سلطة التحالف] وتضمّنه [تفاصيل محددة تنصّ على أحكام رئيسية في القانون الأساسي تُلزم مشرّعي المستقبل] وما نصّ عليه من أن [ما يتفق عليه مجلس الحكم وسلطة التحالف لا يمكن أن يعدّل لاحقًا]، وأيضًا ابتناؤه على إقرار [ترتيبات أمنية غير محددة تلزم الحكومة التي ستقام في المستقبل باتفاقيات غير معروفة بعد بين سلطة التحالف ومجلس الحكم] وغير ذلك من [مسائل لم تناقش ولم يتفق عليها لا على مستوى الشعب العراقي ولا على مستوى ممثليه المنتخبين].

وعلى الرغم من استبعاد الفريق الدولي فكرة نقل السيادة إلى حكومة منتخبة بصورة مباشرة، إلا أن ما قررّه من إمكانية إجراء الانتخابات في نهاية عام 2004 يحظى بأهمية بالغة، ولا سيما مع اقتراح [إجرائها لاختيار جمعية وحيدة تناط بها مهمتان هما وضع دستور البلد والعمل في الوقت نفسه بوصفها الهيئة التشريعية] إلى حين إقرار الدستور الدائم، مما يعني ذلك كله تقليص المدة التي ستتولى فيها حكومة غير منتخبة زمام الأمور في البلد إلى بضعة اشهر فقط، خلافًا لما ورد في اتفاق 15/ تشرين الثاني من استمرارها في العمل إلى نهاية عام 2005.

وأن المرجعية الدينية تطالب بضمانات واضحة -كقرار من مجلس الأمن الدولي- بإجراء انتخابات وفق ذلك التاريخ، ليطمئن الشعب العراقي بأن الأمر لا يخضع مرة أخرى لمزيد من التسويف والمماطلة لذرائع مشابهة للتي تطرح اليوم.

كما تطالب المرجعية بان تكون (الهيئة غير المنتخبة) التي تسلّم لها السلطة في الثلاثين من حزيران [إدارة مؤقتة ذات صلاحيات واضحة ومحدودة تهيئ البلد لانتخابات نزيهة وحرة، وتدير شؤونه خلال الفترة الانتقالية] من دون تمكينها من اتخاذ قرارات مهمة تلزم الحكومة المنبثقة من مجلس منتخب.

وأما فيما يتعلق بالآلية التي سيتقرر اعتمادها في عملية نقل السلطة فإن هناك قلقًا متزايدًا من أن لا يتيسّر للأطراف المعنيّة التوصّل في المدة المتبقية إلى آلية [تتمتع بتأييد الشعب العراقي على أوضح نطاق] كما طالبت بذلك الأمم المتحدة، وأن تجد هذه الأطراف نفسها في مطبّ المحاصصات العرقية والطائفية والسياسية، التي سعت المرجعية في تجاوزها بالدعوة إلى الاعتماد على آلية الانتخابات العامة.

نسأل الله العليّ القدير أن يوفق الجميع لما فيه خير الشعب العراقي العزيز ورفعته واستقراره، انه سميع مجيب»(17).

لم تكن موافقة المرجعية الدينية على محتويات تقرير فريق الأمم المتحدة لقناعتها بما جاء فيه من تأجيل الانتخابات، ولكنها أرادت أن تتجاوب إيجابيًا مع رغبة الأمم المتحدة وفريق من شركائنا في الوطن في التأجيل، وكي لا يبدو مطلب المرجعية الدينية مطلبًا طائفيًا، وهي التي تعتقد أنه مطلب كافة العراقيين على تنوع أعراقهم ومذاهبهم.

والمفارقة أن رغبة هذا الفريق الذي أشرت إليه في تأجيل الانتخابات آنذاك تطابقت مع رغبة مجلس الحكم والإدارة الأمريكية في التأجيل!! ولم ننظر حينها إلى الموضوع إلا من زاوية أنها وجهة نظر، يمكن أن تتطابق مع وجهة نظر مماثلة في فترات محددة لا أكثر ولا أقل.

ولكن هذا الفريق نفسه -وبعد أقل من سنة- اتهم من يطالب بإجراء الانتخابات أنه سائر في المشروع الأمريكي!! بحجة أن وجهة نظره تتطابق مع وجهة نظر الإدارة الأمريكية!!

ومرت الأيام، والعراقيون ينتظرون بفارغ الصبر يوم الانتخابات، وفوجئوا قبل الموعد الشهير بشهرين تقريبًا بازدياد الحملات الداعية لتأجيل الانتخابات مرة أخرى، في ظل تدهور أمني لم يشهد العراق له مثيلاً، وأخذت هذه الدعوات -وللأسف- بعدًا طائفيًا، وبدأت الضغوط الشديدة على المرجعية تطالبها بالموافقة على تأجيل الانتخابات لمدة ستة أشهر، بحجة التدهور الأمني، ومقاطعة بعض شرائح المجتمع العراقي للانتخابات، وكان موقف المرجعية غاية في الحكمة والرصانة، ففي الوقت الذي لم تصدر فيه أي تعليق عما يدور، قناعة منها بأن صدور أي شيء في هذه المرحلة يعمق حالة الشرخ الحاصلة في الاجتماع السياسي العراقي في وقت نحن بأمس الحاجة إلى الوحدة والتكاتف وتهدئة الأجواء، كانت المرجعية توجه سؤالين لمن يطرح عليها فكرة التأجيل:

السؤال الأول: هل هناك من يضمن تحسن الوضع الأمني بعد ستة أشهر؟!

السؤال الثاني: هل هناك من يضمن مشاركة الأخوة الذين يقاطعون الآن بعد ستة أشهر؟!

وفي الحقيقة لم تحصل المرجعية الدينية على إجابة مقنعة للسؤالين، فكانت تقول: إذن لماذا التأجيل؟ لقد وافقنا على التأجيل قبل ثمانية أشهر بناء على معطيات علمية لفريق الأمم المتحدة مع عدم قناعتنا، وانتظر الشعب العراقي كل هذه الفترة، فلماذا نؤجل الآن؟! علمًا أن المرجعية ليست هي من حدد موعد الانتخابات، ولا هي من وضع قانون الانتخابات، كل ذلك كان من قبل الأمم المتحدة، ومجلس الحكم الذي تمثلت فيه كافة شرائح المجتمع العراقي، فلماذا تقرّرون شيئًا وتطالبون المرجعية بالتراجع عنه؟!

وبرغم التشكيك والتهويل والتهديد، ثبتت صوابية رؤية المرجعية، فقد اندفع الشعب العراقي -أمام مرأى العالم بأسره- إلى صناديق الاقتراع، متحديًا الموت، إيمانًا منه بأن الانتخابات هي الخطوة الأولى الصحيحة لبناء مؤسسات الدولة القادرة والقوية.

إن مشروع الانتخابات الذي قادته المرجعية الدينية وجاهدت مع جماهيرها المؤمنة من أجل تحقيقه، رغم الرفض الأمريكي له ابتداءً بكل ما أوتي من قوة، يستبطن في مطاويه استيلاد قيادات عراقية تحظى بثقة الشعب، لتمارس دورها في كتابة دستور للعراق يحفظ هويته الإسلامية وقيمه النبيلة، ولتبني المؤسسات على أساس من احترام القانون، وصولاً إلى الدعوة لخروج كافة القوات الأجنبية من العراق بعد تشكيل مؤسسات أمنية قادرة على ضبط الوضع الداخلي.

إن الانتخابات في مشروع المرجعية هي الخطوة الأولى للتحرير، وهو مشروع بنيوي، بمعنى انه مشروع تأسيسي لفكرة الدولة المستقلة المرتكزة على شعبها وقراره في الحرية والاستقلال.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(17) بيان صادر من مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله في النجف الأشرف بتاريخ 5 محرم الحرام 1425 هـ.

أعلى الصفحة     محتويات العدد الأول     أرشيف المجلة     الرئيسية