|
علم الإمام الهادي (ع) واحتجاجه على
خصومه
وبالرغم من
ظهور كرامات الإمام الهادي (عليه السلام) لم يتوقف المتوكل
عن تكرار محاولات إحراج الإمام (عليه السلام) لذلك طلب من
العالم الكبير يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت أن
يمتحن الإمام (عليه السلام) بمسائل غامضة معقدة، لعله لا
يهتدي لجوابها، فيتخذها وسيلة للتشهير به (عليه السلام)
والحط من شأنه، ولكن لم يتم له ما أراد، فقد فوت الإمام
بعلمه الذي لا يحد ومعرفته التي لا تحاط، على المتوكل
الفرصة للنيل منه، فقد أملى الإمام (عليه السلام) على ابن
السكيت أجوبة تلك المسائل الدقيقة بمجرد النظر إليها، فدلل
بذلك على طاقاته العلمية الهائلة التي هي إحدى العناصر
البارزة في معالم شخصية الإمام العظيمة.
يقول ابن
شهرآشوب: قال المتوكل لابن السكيت: اسأل ابن الرضا مسألة
عوصاء بحضرتي، فسأله فقال: لم بعث الله موسى (عليه السلام)
بالعصا، وبعث عيسى (عليه السلام) بإبراء الأكمه والأبرص
وإحياء الموتى، وبعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالقرآن
والسيف؟
فقال أبو
الحسن (عليه السلام): بعث الله موسى (عليه السلام) بالعصا
واليد البيضاء في زمانٍ الغالب على أهله السحر، فأتاهم من
ذلك ما قهر سحرهم وبهرهم وأثبت الحجة عليهم، وبعث عيسى
(عليه السلام) بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن
الله في زمانٍ الغالب على أهله الطب، فأتاهم من إبراء
الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله فقهرهم وبهرهم،
وبعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالقرآن والسيف في زمانٍ
الغالب على أهله السيف والشعر، فأتاهم من القرآن الزاهر
والسيف القاهر ما بهر به شعرهم، وقهر سيفهم، وأثبت الحجة
عليهم.
فقال ابن
السكيت: فما الحجة الآن؟ قال: العقل، يعرف به الكاذب على
الله فيكذب.
فقال يحيى بن
أكثم: ما لابن السكيت ومناظراته، وإنما هو صاحب نحو وشعر
ولغة([25]).
من مواقف الإمام (ع) مع طاغية زمانه
كان الإمام
الهادي (عليه السلام) يتجنب التعاطي مع حكام الجور عملاً
بسيرة آبائه، وكان إذا أحوجته الظروف للقاء هؤلاء الطغاة
يستغل هذا اللقاء من أجل وعظهم وإلقاء الحجة عليهم.
يروى أنه
سُعي إلى المتوكل بالإمام علي الهادي (عليه السلام) أن في
منزله كتبًا وسلاحًا من شيعته من أهل قم وانه عازم على
الوثوب بالدولة فبعث إليه جماعة من الأتراك فهجموا على
داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئًا ووجدوه في بيت مغلق عليه،
وهو جالس على الرمل والحصا وعليه مدرعة من صوف، متوجه إلى
الله تعالى بالصلاة وتلاوة القرآن.
فحُمل على
حاله تلك إلى المتوكل وقالوا له: لم نجد في بيته شيئًا
ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة.
وكان
المتوكل في مجلس الشرب فأُدخل عليه الإمام الهادي (عليه
السلام) والكأس في يد المتوكل، فلما رآه هابه وعظّمه
وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس التي كانت في يده.
فقال (عليه
السلام): والله ما يخامر لحمي ودمي قط فأعفني فأعفاه، فقال
أنشدني شعرًا.
فقال (عليه
السلام): إني قليل الرواية للشعر فقال: لا بد، فأنشده
(عليه السلام) وهو جالس عنده:
|
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم
ناداهم صارخٌ من بعد دفنهم
أين الوجوه التي كانت منعمة
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم
قد طالما أكلوا دهرًا وقد شربوا
وطالما عمَّروا دوراً لتحصنهم
وطالما كنزوا الأموال وادَّخروا
أضحت منازلهم قفرًا معطلة
|
غُلبُ الرجال فلم تنفعهم القلل
وأسكنوا حفرًا يا بئس ما نزلوا
أين الأساور والتيجان والحلل؟
من دونها تضرب الأستار والكلل؟
تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
فأصبحوا اليوم بعد الأكل قد أكلوا
ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
ففرقوها على الأعداء وارتحلوا
وساكنوها إلى الأجداث قد نزلوا
|
فبكى
المتوكل حتى بلّت لحيتَه دموعُ عينيه وبكى الحاضرون ودفع
إلى علي (عليه السلام) أربعة آلاف دينار ثم رده إلى منزله
مكرما([26]).
سِمَة عصر الإمام الهادي (ع)
يلاحظ
المتتبع لتلك الفترة الزمنية أن الأئمة كانوا يبتعدون
تدريجيًا عن الناس بسبب التضييق الذي كان يمارسه الحكًام
من جهة، ومن جهة أخرى لعله كان هناك سبب آخر هو أن الأئمة
كانوا يُعدون الأمة لتقبل فكرة غيبة الإمام الثاني عشر
(عجل الله فرجه)، فنجد في تلك الفترة أن المراسلات كثرت
بين الأئمة والموالين بل لعلها كانت الوسيلة الوحيدة في
بعض الأوقات.
وقد ابتلي
الإمام الهادي (عليه السلام) في عصره بأصحاب البدع
والانحرافات الفكرية، وظهرت مذاهب كثيرة مخترعة وأرست
قواعدها في ظل تلك الحكومات الجائرة، فاستفادوا من دعم
السلطان لنشر عقائدهم الفاسدة، ومن جملة هذه التيارات
ظاهرتي الغلو والوقف.
ومما لا شك
فيه أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يحرصون بكل ما لديهم
من قوة وبيان على أن يجعلوا من أصحابهم وشيعتهم ومن يتصل
بهم دعاة حق وخير، وأن يمثلوا الإسلام ويجسدوا تعاليمه
بأفعالهم قبل أقوالهم، كما كانوا يحرصون على تنزيه تعاليم
الإسلام من التشويه والتحريف والافتراء، لذا كانوا يؤكدون
لهم أنهم عبيد الله لا يقدرون أن يدفعوا عن أنفسهم ضرًا،
ولا أن يجلبوا لها خيرًا إلا بمشيئة الله.
وقد تعرضوا
في حياتهم لظلم الحكام واضطهادهم، ولكل ما يمكن أن يتعرض
له أي إنسان من البلاء وأنواع التقلبات، وعاشوا مع الناس
كغيرهم من الناس، ولعنوا من قال فيهم ما لم يقولوه في
أنفسهم، ومن نسب إليهم علم الغيب والخلق والرزق وكل ما هو
من خصائص الخالق وصفاته.
ومع ذلك فقد
أضاف إليهم بعض المحبين والمبغضين ما ليس بهم، وأظهر الغلو
فيهم أناس عن سوء نية، ولكنهم وقفوا للجميع بالمرصاد،
فلعنوا المغالين وتبرأوا منهم، وأعلنوا للناس ضلالهم
وجحودهم، وأمروا محبيهم بالاعتدال، ومبغضيهم بالرجوع إلى
وصايا نبيهم (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته وعترته
(عليهم السلام)، وخرجوا من هذه الدنيا وهم من أنصح خلق
الله لخلقه، وأحرصهم على دينه وشريعته، وأصبرهم على بلائه،
وأخوفهم من سخطه وعقابه ([27]).
ومن جملة
الفتن التي أخذت دورًا أساسيًا في عصر الإمام الهادي (عليه
السلام) وشغلت الكثير من المسلمين هي مسألة خلق القرآن
الكريم، بحيث فقدت مكانتها بين المتكلمين واستغلها الحكّام
لقمع من خالفهم بحجة الانحراف، وممن ابتلي بذلك إمام مذهب
الحنابلة أحمد بن حنبل الذي امتحنه المعتصم في هذه المسألة
وأمر بضربه سياطًا إلى أن أقرّ بخلق القرآن الكريم([28]).
لذلك وجه
الإمام الهادي (عليه السلام) رسالة إلى بعض شيعته في بغداد
يعالج فيها هذه المسألة وهذا نصها كما في أمالي الصدوق:
عن محمد بن
عيسى بن عبيد اليقطيني، قال: كتب علي بن محمد بن علي بن
موسى الرضا (عليهم السلام) إلى بعض شيعته ببغداد:
بسم الله
الرحمن الرحيم
عصمنا الله
وإياك من الفتنة، فإن يفعل فأعظم بها نعمة! وإلا يفعل فهي
الهلكة، نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها
السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلّف المجيب
ما ليس عليه، وليس الخالق إلا الله، وما سواه مخلوق،
والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسمًا من عندك فتكون من
الضالين، جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم
من الساعة مشفقون ([29]).
موقف الإمام الهادي (ع) من الصوفية
من جملة
الفرق الضالة التي ظهرت في القرن الثاني وأخذت تغري الناس
بسبب زهدها الكاذب هي الصوفية، فحذّر الإمام (عليه السلام)
أصحابه وسائر المسلمين من الاتصال بالصوفية والاختلاط بهم،
كما دل على زيفهم بإظهار التقشف والزهد لإغراء عامة الناس
وبسطائهم وغوايتهم، ووصفهم بأنهم حلفاء الشياطين في خداع
الناس، وأن زهدهم لم يكن حقيقيًا وإنما لإراحة أبدانهم،
وأن تهجدهم في الليل لم يكن نسكًا وإخلاصا في طاعة الله
تعالى، وإنما هو وسيلة لصيد أموال الناس وإغوائهم، وأن
أورادهم ليست عبادة خالصة لله بل هي رقص وغناء، وأن الذي
يتبعهم الحمقى والسفهاء.
فقد روى
الحسين بن أبي الخطاب، قال: كنت مع أبي الحسن الهادي (عليه
السلام) في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فأتاه جماعة
من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري، وكان بليغًا وله منزلة
مرموقة عند الإمام (عليه السلام)، وبينما نحن وقوف إذ دخل
جماعة من الصوفية المسجد فجلسوا في جانب منه، وأخذوا
بالتهليل، فالتفت الإمام (عليه السلام) إلى أصحابه وقال
لهم: لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخداعين، فإنهم حلفاء
الشياطين، ومخربو قواعد الدين، يتزهدون لإراحة الأجسام،
ويتهجدون لصيد الأنعام، يتجوعون عمرًا حتى يديخوا للإيكاف
([30])
حمرًا، لا يهللون إلا لغرور الناس، ولا يقللون الغذاء إلا
لملأ العساس([31])
واختلاف قلب الدفناس ([32])،
يتكلمون (يكلِّمون) الناس بإملائهم في الحب، ويطرحونهم
بإدلائهم في الجب، أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم
الترنم والتغنية، فلا يتبعهم إلا السفهاء، ولا يعتقد بهم
إلا الحمقى، فمن ذهب إلى زيارة أحدهم حيًا أو ميتًا،
فكأنما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان، ومن أعان
واحدًا منهم فكأنما أعان معاوية ويزيد وأبا سفيان.
فقال له رجل
من أصحابه: وإن كان معترفًا بحقوقكم؟
قال: فنظر
إليه شبه المغضب وقال: دع ذا عنك، من اعترف بحقوقنا لم
يذهب في عقوقنا، أما تدري أنهم أخس طوائف الصوفية؟
والصوفية كلهم من مخالفينا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن
هم إلا نصارى ومجوس هذه الأمة، أولئك الذين يجتهدون في
إطفاء نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون([33]).
ميزان الإمام (ع) في تكريم الناس
كان الإمام
الهادي (عليه السلام) يحثّ شيعته على التصدي لنصرة الحق من
خلال الحوار الهادئ والحجج الدامغة، وكان مقياسه في تكريم
الناس هو مقدار علمهم وإنجازاتهم التي تشيد معالم هذا
الدين وتدفع عنه الشبهات والفتن، لذلك يروي الطبرسي عن
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنه قال: اتصل بأبي
الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) أن رجلاً من
فقهاء شيعته كلَّم بعض النصَّاب، فأفحمه بحجته حتى أبان عن
فضيحته، فدخل إلى علي بن محمد (عليه السلام) وفي صدر مجلسه
دست عظيم منصوب، وهو قاعد خارج الدست، وبحضرته خلق من
العلويين وبني هاشم، فما زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست،
وأقبل عليه، فاشتد ذلك على أولئك الأشراف، فأما العلويون
فأجلَّوه عن العتاب، وأما الهاشميون فقال له شيخهم: يا بن
رسول الله، هكذا تُؤثر عاميًا على سادات بني هاشم من
الطالبيين والعباسيين؟!
فقال (عليه
السلام): إياكم أن تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم: {أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ
يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ}([34])،
أترضون بكتاب الله حكمًا؟قالوا: بلى.
قال: أليس
الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا
يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا
فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ([35])،
فلم يرضَ للعالم المؤمن إلا أن يرفع على المؤمن غير
العالم، كما لم يرضَ للمؤمن إلا أن يرفع على من ليس بمؤمن،
أخبروني عنه قال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أو قال: " يرفع
الذين أوتوا شرف النسب درجات "؟ أو ليس قال الله: {هَلْ
يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا
يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}([36])،
فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه الله؟! إن كسر هذا لفلان
الناصب بحجج الله التي علّمه إياها، لأفضل له من كل شرف في
النسب.
فقال
العباسي: يا بن رسول الله، قد أشرفت علينا، هو ذا تقصير
بنا عمن ليس له نسب كنسبنا، وما زال منذ أول الإسلام يُقدم
الأفضل في الشرف على من دونه فيه.
فقال (عليه
السلام): سبحان الله! أليس العباس بايع أبا بكر وهو تيمي،
والعباس هاشمي؟ أو ليس عبد الله بن عباس كان يخدم عمر بن
الخطاب، وهو هاشمي أبو الخلفاء، وعمر عدوي؟! وما بال عمر
أدخل البُعداء من قريش في الشورى ولم يدخل العباس؟ فإن كان
رفعنا لمن ليس بهاشمي على هاشمي منكرًا فأنكروا على العباس
بيعته لأبي بكر، وعلى عبد الله بن عباس خدمته لعمر بعد
بيعته، فإن كان ذلك جائزًا فهذا جائز، فكأنما ألقم الهاشمي
حجرا ([37]).
شهادة الإمام الهادي (ع)
استشهد
الإمام أبو الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السلام)
مسمومًا على يد المعتز العباسي، والمعتز هو محمد بن
المتوكل، وكان كالذين سبقوه من الحكّام الغاصبين للخلافة
كثير اللهو، وقيل إنه لما قتل المستعين بأمر منه، وحُمل
رأسه إليه فدُخل به عليه وهو يلعب الشطرنج، قيل له: هذا
رأس المخلوع، فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدست -أي اللعب-([38]).
وكان المعتز
كأبيه حاقدًا على العلويين فضيّق عليهم حتى مات كثير منهم
في سجونه، ومن دلائل حقده على العلويين وخصوصًا على الإمام
الهادي (عليه السلام) أنه لم يخفف الضغط عنه، بل شدّد عليه
رغم وقوعه تحت رحمة الأتراك، ولكنه كان يخشى من وثوب
الأتراك عليه، لذا أشخص من كان بسر من رأى من الهاشميين من
أولاد الخلفاء وغيرهم إلى بغداد لئلا يُجلس الأتراك أحدًا
منهم، وخوفًا من بيعتهم للإمام الهادي (عليه السلام)، لذلك
أبعد كل الهاشميين إلى بغداد وأبقى الإمام (عليه السلام)
في سامراء مُراقَبًا من قِبله كما يقول اليعقوبي في تاريخه([39]).
ولما استشهد
الإمام الهادي (عليه السلام) بعد سنتين من تولي المعتز،
خاف المعتز من حضور جنازته لمّا رأى كثرة الضجيج والبكاء
على رحيله، لذا أمر برد النعش وأن يدفن في بيته.
وكانت
شهادته في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، وقيل في
الثالث من شهر رجب سنة 253هـ، عن عمر بلغ أربعين سنة، ودفن
في بيته في مدينة سر من رأى بعد أن أقام فيها إقامة جبرية
عشرين سنة متوالية، وكانت مدة إمامته ستة وثلاثين سنة
تقريبًا.
ولكن للأسف
أن هذا المقام الذي كان يناطح السحاب شرفًا وافتخارًأ بما
ضمَّ من مراقد الأئمة الأطهار
(عليهم
السلام)
نالت منه
الأيدي الآثمة، في 12- 2-2005 الموافق 22 محرم سنة 1426هـ،
حيث قد قامت مجموعة من الحاقدين بتفجير قبة الإمامين
العسكريين (عليهما السلام) في سامراء، وتهاوت تلك القبة
الشامخة، وكأن هؤلاء القوم أتباع الشجرة الملعونة لا
يملّون ولا يتعبون من نصرة الباطل على مرّ السنين، لذا
أرادوا إعادة إحياء هذه السنّة السيئة التي سار عليها
المتوكل، وظنوا أنهم بفعلتهم هذه يسيئون إلى أهل البيت
(عليهم السلام) وما عرفوا أن المعدن الثمين كلما زاد تأجج
النار حوله زاد تألقًا.
ولم يكتفوا
بذلك بل قاموا بتفجير المنارتين الموجودتين في الصحن
الشريف صبيحة يوم الأربعاء الواقع في 13 حزيران 2007م
الموافق 23 جمادى الأولى 1428هجرية.
نعم، لقد
ابتلي أهل البيت (عليهم السلام) بأعداء لا يخافون الله،
ولا يرقبون فيهم إلّاً ولا ذمة، وقلَّ من الحكام من لم
يضيّق عليهم وعلى شيعتهم، فقد هبت عليهم في أيام المتوكل
رياح حقد عاتية، فحاول في سنة 236 هجرية إزالة قبر الحسين
وحرثه حتى لا يزار([40])،
وحوّل الماء إليه حتى يغرقه ولا يبقى له أثر، فحار الماء
واستدار حول قبر الحسين (عليه السلام)، وسُمّيَ ما حوله
بالحائر الحسيني، وشتت شمل شيعته وفرقهم في النواحي، فمنهم
من حبسوا ومنهم من تواروا، وتناقل الناس أشعارًا منسوبة
إلى ابن السكيت عالم النحو الكبير، الذي كان يعلّم ولدي
المتوكل. يقول فيها:
تالله إن
كانت أمية قد أتت * * * قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه
بنو أبيه بمثله * * * هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على
ألا يكونوا شاركوا * * * في قتله فتتبعوه رميما([41])
انتهى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[25]
- مناقب آل أبي طالب، ج4 ص404.
[26]
- أعيان الشيعة، ج2 ص38.
[27]
-
سيرة الأئمة الاثني عشر، السيد هاشم معروف
الحسيني، دار القلم، بيروت - لبنان، الطبعة
الثالثة 1981، ج2 ص465.
[28]
-
تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت - لبنان، ج2
ص472.
[29]
-
الأمالي، الشيخ الصدوق، مؤسسة البعثة، قم المقدسة،
الطبعة الأولى 1417هـ، ص 639.
[30]
-
يديخوا: يذلوا ويقهروا. والإيكاف: الإيقاع في
الإثم، ويقال: وضع الوكاف على الحمار، والوكاف:
البرذعة.
[31]
-
العساس جمع ومفرده العس وهو القدح العظيم.
[32]
-
أي
الأغبياء والحمقى.
[33]
-
إكليل المنهج في تحقيق المطلب، محمد جعفر بن محمد
طاهر الخراساني الكرباسي، دار الحديث، قم المقدسة،
الطبعة الأولى 1424هـ، ص 128 - 129.
[34]
-
سورة
آل
عمران الآية 23.
[35]
-
سورة
المجادلة الآية 11.
[36]
-
سورة
الزمر الآية 9.
[37]
-
الاحتجاج،
الشيخ الطبرسي، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، طبعة
سنة 1966، ص 455.
[38]
-
الكامل في التاريخ، ابن الأثير، دار صادر، بيروت -
لبنان، طبعة سنة 1966، ص359.
[39]
-
تاريخ اليعقوبي ج2 ص502.
[40]
-
مرقد الإمام الحسين (ع)/ السيد تحسين آل شبيب،
مطبعة شريعت، قم المقدسة، الطبعة الأولى 1420هـ،
ص21.
[41]
-
سير أعلام النبلاء، الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت
- لبنان، الطبعة التاسعة 1413هـ، ص35.
|